إبداء الرأي في مسرحية مغامرة رأس المملوك جابر :
إبداء الرأي في المسرحية فنا و دلالة
لئن أسس ونوس مسرحا جديدا شكلا ومضمونا فإنه ظل واهما بعيدا عن الواقع.
حينما ننتهي من قراءة المسرحية قد نعجب بالفكرة وتشذنا الجرأة التي أبداها سعد الله ونوس المتمرد والمتفرد على المألوف الذي نزل بالمسرح من برجه العاجي وجعله يتخلى عن عرشه ليذهب إلى الجمهور فيلج أمكنة شعبية ويصل إلى الطبقة المهمشة فيخاطب الكادحين ويشاركهم همومهم ويقاسمهم هواجسهم ولكن تتبادر إلى أذهاننا الأسئلة التالية :
هل تمكن ونوس حقا من إيصال ما كان يحلم بإيصاله من خلال مسرحيته فنيا ؟
وهل كان قادرا على تحريك المستنقعات الأسنة وإيقاظ العقول النائمة ؟
1) نقـد الاختيارات الفنيـة
حاول ونوس الاستفادة من السر وتقنياته إلا أنه لم يتجاوز مستوى منطق الحكاية السكوني وبالتالي كان الفعل
الدرامي ضعيفا وبطيئا.
- الحوار بين الشخصيات ظل محكوما بالموقف الإيديولوجي مما أدى إلى تغليب السخرية والنزعة الكوميدية على النزعة التراجيدية وخاصة في صور كل من جابر والوزير والخلفية.
- الشخصيات في المسرحية غير نامية فهي نفسها شكلا ومضمونا من البداية إلى النهاية فلم تعرف تقلبات ولم تتارجح بين الخير والشر.
- التجريب أسقط المسرحية في فخ الفعل الدرامي بطريقة واضحة وطبيعية.
- المحاورات بدت في لغتها أقرب إلى الخطاب المباشر والتصريح السافر الذي أدى إلى الوقوع في فخ الخطابية
التعليمية وتجاهل أبجديات الفن المسرحي وتناسي جمالياته الأسلوبية فالمسرح فن أو لا يكون.
- غلب ونوس قوة الكلمة على كثافة الحركة فسحرته جماليات الثقافة العربية المؤسسة على فن الكلام والتحكم في ناصية اللغة إلى حد كاد يهمل فيه سحر الحركة وهي من روافد الثقافة الغربية.
- أن الرغبة في كسر الإيهام وتحقيق التغريب من خلال تشريك الجمهور هي مجرد حكاية افتراضية ولعبة مصطنعة وليست عفوية فالمداخلات مسطرة منذ لحظة الكتابة و مؤطرة في زمن الإخراج من ذلك تدخلات الزبون الرابع و الرجل الرابع.
- إن التركيز على المقاصد التعليمية واعتماد الخطاب المباشر أحيانا أفقد المسرحية فن الفرجة فجعلها أقرب إلى
الكتاب والقراءة منها إلى الأخشاب والتمثيل.
بل يمكن القول إنها من النوع الذي يسعه الكتاب ولا تسعه الأخشاب.
2) نقد الرؤى و الـمـقـاصد :
بدا ونوس متأثرا بهزيمة 1967 لذلك كان انفعاليا في تحميله المسؤوليات متسرعا في تغليبه ثقافة الهدم والتعويض بدل النقد الجاد من أجل التأسيس للبديل الأفضل الذي يعتبر و يتعظ من دروس الماضي و الحاضر لاستشراف المستقبل
- إن مضامين المسرحية ومقاصدها لا يمكنها أن تصل بتقنيات تغريبية ولا أن تقع متلق متخلف وجمهور محدود
الموافة همه لقمة العيش "ومن يتزوج امه يناديه عمه" ولعل النهاية السوداوية تؤكد انغلاق السبل وانسداد المنـافـذ وعدم القدرة على إقناع الجمهور و جعله يراجع حساباته ويغيّر قناعاته ويتحكم في عواطفه بل ازداد تعاطفا مع جابر الانتهازي بعد نهايته الكارثية.
لمن نجحت التجربة البريشتية في ظل الثقافة الغربية فإنه لا يمكن إنجاح التجربة نفسها عبر استنساخها و إسقاطها
على جمهور جدید و مختلف و مغایر
- إن المتتبع لمسرحية مغامرة رأس المملوك جابر لا يجد تسلية و لا يشعر بالإمتاع بل يزداد إحساسا بالإحباط
وشعورا بالغم بسبب ما توحي به الشخصيات من تناقضات و زيف فهي إما سائس ظالم، أو منامر أو مملوك انتهـازي أو رعية مستسلمة إنها أجواء الظلـمـة و الكابة و المعاناة بـل هي المأساة و سوداوية النهاية نهاية بغداد و خرابها و هو ما يضعف الاعتقاد بأن ونوس لم يغفل عن مقاصد فن الامتاع و التسلية.
- ذهب البعض إلى أن ونوس أرسى شكلا مسرحيا جديدا و لكن التجديد في مغامرة رأس المملوك جابر لا يخلو من
التقليد و الإتباع للمسرح الكلاسيكي الذي يظهر في :
الاعتماد على شخصيات فاعلة
الاستعانة مثل المسرح الكلاسيكي بالإشارات الركحية
إتباع نفس البناء المأساوي الكلاسيكي
توفر اغلب مظاهر الصراع التراجيدي ( الخليفة ضد الوزير)
- تظل مسرحية مغامرة رأس المملوك جابر أشبه بشجرة نخيل حينما تجلب من الواحة لتغرس في تربة مغايـرة
( ثلجية أو جبلية) و هو ما صرح به ونوس في قوله : " إكتشفت أنه من الصعب جدا تقديم مسرحية بريشت كما هي لبيئة محلية كبيئة دمشق مثلا ".
تناسی ونوس مشروع مسرح التسييس و انخرط في المسرح السياسي الذي جعله يسقط في النهاية في الخطاب
المباشر خطاب التحريض و التثوير إذ يقول على نسان الرجل الرابع : " إذا عضكم الجوع وجدتم أنفسكم بلا
بيوت" كما يقول على لسان المجموعـة : " إذا هبط عليكم ليل ثقيل مليء بالويل لا تنسوا أنكم قلتم يوما فخار يكسر
بعضه... و من يتزوج أمنا نناديه عمنا "
ان الوعي الحاد لولوس بالمسرح و الذي ظهر على المستوى النظري في كتابه " بيانات لمسرح عربي جديد " جعله يرى هذا الفن حدثا اجتمـاعـيـا و أداة تثوير حقيقية و لذلك خاض تجربة مسرح التغريب التي استلهمها من بريشت و قد أدرك هذا الأخير أن المسرح الكلاسيكي في صيغته الأرسطية يغيب المتفرج عن همومه الحقيقية و لكن ونوس وقع مع ذلك في مزالق أخذه عليها النقاد منها إسقاط التاريخ على الزمن إلى حد ينكشف فيه الكاتب انكشافا إيديولوجيا سافرا فيتحدث عن وضع بروليتاري في العصر العباسي.

شنوة الرمز
ردحذف