: المضامين و المقاصد في محور مغامرة رأس المملوك جابر
المضامين و الـقـضـايـا المطروحـة:
تحدث سعد الله ونوس عن غرضه من مسرحية "مغامرة رأس المملوك جابر" بقوله "وبكلمة واحدة ... إني أبحث
عن عرض حي لحكاية تهمنا جميعا. ولذا أتصور استخدام كل الوسائل الممكنة كي نصل إلى هذا العرض الحي الذي أتمناه "فرجة" ممتعة ومفيدة تدفع المتفرج إلى تأمل مصيره " إنه غرض يجمع بين إمتاع النفوس وتنوير العقول، وتلك هي أهداف "المسرح الشعبي الحقيقي" كما حددها إريك بينتلي في كتاب "نظرية المسرح الحديث " : ترجمة يوسف عبد المسيح ثروت ومنها "أن يكون المسرح مصدر قوة يقدم المتعة للناس فيجعلهم أكثر قدرة على العمل. ويدعوهم إلى رصد قضاياهم أثناء طريقهم إلى المتعة" وتظهر لنا أهم القضايا التي أراد ونوس من الجمهور أن يرصدها في مسرحيته على النحو التالي :
أ علاقة الراعي بالرعية :
إن اهتمام ونوس بهذه القضية ووضعها على رأس القضايا المطروحة في المسرحية يعود إلى تأمله في أسباب الهزيمة التي لحقت العرب في حزيران من سنة 1967 وقد وجد أن طبيعة العلاقة القائمة بين الراعي والرعية سبب مباشر في الهزيمة، وإن أهم ما تجلى من ملامح هذه العلاقة بالنسبة إلى الراعي قهر الرعية والإجحاف في حقها (السجن/الجلد/الخطف/تسليط الضرائب ...) والاستهتار بها ونجد ذلك على سبيل المثال في قول أخ الخليفة ومعاونه عبد الله " فتنة عامة ببغداد تحدث فتنة (تلوح على وجهه أبشع علامات الازدراء)... ينقصك يا خليفة المسلمين أن تعرف رعيتك. أما أنا فأعرفهم جيدا... قد يتذمرون ولكن ما إن يروا وجه حارس حتى يمضغوا تذمرهم ويبلعوه مع ريقهم ..."، والمسؤولية في ذلك ملقاة على الرعية الخائفة المستسلمة لقهر الراعي وتسلطه تبرره تبريرا قدريا، وقد ظهرت مواقفها في تخاطبات أهل بغداد مع الرجل الرابع الذي كان يحثهم على رفض الاستسلام لما هو قائم والتغلب على عقدة الخوف، تقول المرأة الأولى تلك قسمتنا ". وتعلل المجموعة الثانية "ولهذا خير ما تفعله هو أن نخفي رؤؤسنا بين أكتافنا " وتكمل المجموعة الثانية "لا رأينا.. لا سمعنا" أن ونوس
يعرض على المتفرج صورة هذه العلاقة في مرآة التاريخ ليحفزه على التفكير في طبيعة علاقته بالسانس حتى يرى
الأشياء بوضوح، والعودة إلى هذه العلاقة التاريخية هي تبعيد لغاية التقريب، وهذه التقنية المسرحية عرفت عند
المسرحي الألماني برشت الذي تأثر به ونوس أيما تأثر.
- علاقة الراعي بالحاشية :
تتجلى هذه العلاقة في النص المسرحي عبر شخصيات الخليفة والوزير بأعوانهما ثم في
علاقة الوزير بجابر، وأهم مقومات هذه العلاقة المصلحة المتبادلة والمصير الواحد ونموذج ذلك الارتباط بيـن الوزيـر و عبد اللطيف ويظهر ذلك في المخاطبة المسرحية المسندة إلى الوزير "لو نجحوا في اتصالاتهم قبلنا، فلن تكون السيوف رحيمة . سيقطعون رؤوسنا واحدا بعد الآخر. وسيعلقونها في ساحات بغداد كمشاعـل الـنـصـر.. أتسمـع.. رأسي و رأسك و رؤوس الآخرين .." أما العلاقة بين الوزير و جابر فتقدم لنا وجها آخر من وجوه العلاقة بيـن الـراعـي و الحاشية إذ ليس بين الشخصيتين من جامع إلا خدمة متبادلة تحيا بها
هواجس الشك و الخوف، ذلك أن المملوك كان يرتاب في وفاء الوزير بوعوده و مع ذلك، اشته انتهازينه فاندفع
إلى المغامرة مقدما رأسه ثمنا لها، و بالمقابل كان الوزير بخشي أن يصبح رهينة عند جابر الذي عرف سر خيانته
فكان يظـهـر له السرور و الغبطة و يضمر له الغدر و الإيقاع به و تلك صورة نموذجية من صول العلاقـة بين الراعي و الحاشية في المجتمع السياسي القديم نجد لها رصيدا في أشكال فنية أخرى من الكلام مثال القصة المثلية حيث يقول عبد الله بن المقفع في كتاب " كليلة ودمنة ( باب الأسد و الثور " و ما صاحب السلطان إلا كصاحب الحية لا يدري متى تهيج عليه" و في العصر الحديث نجد نوعا من هذه العلاقة في المجتمعات التي تحكمها أنظمة استبدادية وشمولية تتأسس فيها علاقة الراعي بالحاشية على الولاء دون الكفاءات، و يبدو أن ونوس قد عرض على المتقبل صورة التاريخ ليستكشف فيها و من خلالها صورة الواقع العربي الراهن في هذا النوع من القضايا
- الفتن السياسية:
يؤشر إلى هذه القضية في المسرحية الفعل الملحمي الدرامي في الصراع بين الخليفة و الوزير و ما أفضى إليه من نهاية مأساوية، و قد أراد ونوس من إثارة هذه القضية الادلال على نتائج الفتن السياسية التي لا تستثني حتى أولئك الذين اعتقدوا أنهم بعيدون عنها فواجهوها بحياد سلبي مثل أهل بغداد في مخاطباتهم مع الرجل
الرابع " المجموعة 2 : خير ما نفعله أن نخفي رؤوسنا بين أكتافنا / المجموعة 1 : لا راينا و لا سمعنا, المجموعة
2 : ننتظر و نرقب النتائج .." و قد كان هذا الأخير أكثر وعيا بنتائج الفتنة القائمة بين الخليفة و وزيره و بقوله: لا.. لن تنجو رؤوسنا.. فوق رؤوسنا يتعاركان. فوق هذه الرؤوس البائسة ستنزل أقسى الضربات" إن سعد الله ونوس يريد من المتفرج أن يتأمل صورة واقعه السياسي في مرأة التاريخ فإذا تبين له أن هذه القضية تلامس واقعه فعليه تبعا لذلك أن يفكر في التعامل معها بما يجنبه آثارها الكارثية.
- المثقف و المجتمع:
أشار الـمؤلف إلى وضعيـة المثقف و علاقته بالمجتمع في المخاطبات المسرحية المستندة إلى الرجل الرابع الذي رمز وظائفيا إلى المثقف العضوي بمفهوم الفيلسوف الإيطالي غرامشي و هو الذي يرفض الانخراط في ما هو قائم أو الانسجام معه خوفا أو طـمـعـا و يصل به الرفـض إلى النضال و المواجهة فيتمرد و پسجن و يعرف أنواع القهر كما يعرفها أهل بغداد فيقول ردا على الرجل الثاني الذي حدثه عما حربه أهل بغداد من أنواع الاضطهاد" أعرف أن ما تقوله صحيح اعرفه كما أعرف سجون بغداد وسياط جلاديها " و لكن هذا المثقف يعجز في النهاية عن التغيير رغم أنه تخلص من الاستسلام للخوف و زادته تجربة النضال يقينا أن الأمان
ليس في الاستسلام بل في النضال من أجل الحرية و أخذ المجتمع دوره في الفعل السياسي " أي وحق الله، قضيت
فترة ليست قصيرة في السجون و مع هذا فقد ازددت يقينا بأن ما تقولونه لا يقود إلا إلى ما نسن فيه. نهتری كالفــــايـــات.. و نجري قلقين كالكلاب الملدوغة، و تدفع ضريبة خلافات لا نعرف أسبابها و لا مغزاها"
ويصطدم بعقدة الخوف الذي تملك المجتمع ( أهل بغداد) فيعاني الهزيمة و الانكسار، إنها أزمة المثقف في المجتمع
كما يثيرها المؤلف في المسرحية، إلا أن السؤال الذي يظل مطروحا، هل أن الكاتب حين آثار هذه القضية استهدف
عامة المتفرجين لتنوير عقولهم و إشعارهم بالمسؤولية تجاه هذا المثقف الذي خذلـه المجتمع و هم جزء منه أم أنه استهدف المثقف ليقدح عقله من جديد حتى يفكر في علاقته مع المجتمع فيستكشف أنجع الطرائق إلى التأثير في
وعي الجمهور أو أنه استهدفهما معاك
الحب و السياسة العقل و العاطفة:
إن الجامع بين هاتين القضيتين في هذا النص المسرحي هو المرأة لأنها محور الـحـب و العاطفة، فالحب معين على السياسة بل تشتد فاعليته أثناء الأزمات السياسية فيبحث فيه السائس عن سد النقص الحاصل بسبب تلك الأزمات و هو نقص ذو بعد نفسي تمثل في تكدر مزاج الوزير نتيجة خلافه مع الخليفة، و الحب في ظل الأزمة السياسية هو طريق المرأة إلى اكتساب النفوذ و نجد ذلك في المخاطبة المسندة إلى شخصية جابر " لو استمر الحال كذلك، فستصبح شمس النهار سيدة كل شيء في القصر ." و يستبطن ذلك نقداً للسائس الذي يهرب من مسؤوليته في تحمل أعباء الحكم في الأزمان الحرجة إلى عالم المـــــــراة، و لكن قد تؤثر هموم السياسة و حدة أزمتها إذا تصاعدت في الحب تأثيرا سلبيا فينعكس ذلك على وضع المرأة و يظهر ذلك في مخاطبة زمرد مع جابر متحدثة عن مولاتها شمس النهار " إلا أن ما حولنا غامض ومليء بالمهالك.. حتى سيدتي شمس النهار بدأت تهمل زينتها. يدخل عليها الوزير مهموما يزمجر.. و أحيانا تفلت منه كلمات يتطاير منها الهول..
أما العاطفة فهي قادح للعقل في مغامرة شخصية جابر لأن الحيلة فعل عقلي استهدف المكافأة التي مثلت العاطفة
داعيا من دواعيها طالما أن زمرد معشوقة جابر قد كانت عنصرا من عناصر تلك المكافاة.
إن صورة المرأة كما تبيناها عبر هذه القضية و غيرها قد تميزت بالسلبية فهي للتسلية و الإمتاع أو عطية من
العطايا و المـكـافـاة أو هي رمز للخوف و الاستسلام ( المرأة الأولى / المرأة الثانية) أو هي رمز للخيانة في ما رواه ياسر عن كلام جابر إلى الحراس خيلة منه كي لا ينهبوا زواد سفره " روى حكاية عجيبة عن امرأته التي كانت تدبر قتله، لأنها كانت تؤثر عشيقها عليه ... و قال إنه اكتشف السم في طعامه أكثر من مرة" و لا يبدو أن هذه الصورة تعبر عن موقف المؤلف من المرأة. و إنما هي صورة نموذج عرضها ونوس على جمهور المتفرجين الذي تمثل المرأة جزءا منه حتى تتأمل هذه واقعها في ضوء ما تشاهده على الركح.
و - مفهوم السعادة و الشرف:
أثيرت هذه المفاهيم في المخاطبات التي أسندت إلى الشخصيات الركحية زمرد/ جابر، الزوج / الزوجة، منصور / ياسر، و السعادة مثلت في هذه المخاطبات حلما لبعض هذه الشخصيات مثل جابر الذي يقول لزمرد: المهمة سهلة و لا مبرر للقلق.. سأعود.. و ستكون أمامنا كل الأيام، أيـــام حافلة وبهيجة." و لكن هذا الحلم تنغصه هواجس الخوف التي تعبر عنها زمرد أو منصور حين يرد على ياسر المعجب
بمغامرة جابر قائلا: المرأة و الثروة..
نعم هذا كل ما يراه.. و خلفهما هل يرى أن في الدوار يجيش الهلاك أيضا؟ هلاكه. و ربما هلاكك أنت الذي تتحدث بغباء، و تحلم بفرصة. و ربما هلاكي أنا و ربما هلاكنا جميعا.. و هكذا تبقى السعادة مفهوما طوبــاويـا و حلما لا يتحقق في ظل الواقع الفاسد، و بالنسبة إلى الشرف عقد الكاتب دلالة اقترائية بينه و بين الوضع الاجتماعي للإنسان

تعليقات
إرسال تعليق