تجليات التوجه التراجيدي في مسرحية مغامرة رأس المملوك جابر :
التوجه التراجيدي في المسرحية :
تعرف التراجيديا بأنها ذلك الصراع الدامي الذي يؤدي في النهاية إلى الفاجعة بالموت. ولا تخلو التراجيديا عادة من فنون التزيين والزخرف الفني. وقد تجلى هذا التوجه
التراجيدي في مسرحية " مغامرة رأس المملوك جابر " من خلال طابع الجدية الذي يغلب على طريقة سرد الحكواتي، فهو يؤطر الأحداث المسرحية بقوله :" وكان العصر كالبحر
الهائج لا يستقر على وضع." وتتلاحق الأحداث في المسرحية من خلال السرد أو اللوحات المتجسدة وتتسارع مؤذنة بدئو الكارثة و هو ما يجعل الإيقاع الزمني أهم عنصر في بناء الفعل المسرحي وقد تجسم ذلك في الحوار الدائر بين الوزير و عبد اللطيف أو بين الخليفة و أخيه الأمير عبد الله. يقول الوزير :" ولا ينبغي أن تضيع وقتنا فيها. أمامنا فترة قصيرة من الهدوء. لكننا في سباق مع الوقت" أما عبد الله فيخاطب الخليفة بالقول :" أصبحت اللحظة مناسبة للخطوة الحاسمة." إن تكثيف معجم الزمن في الحوار المسرحي بين أطراف الصراع السياسي يدل على أن إيقاع المسرحية لم يعد إيقاعا متراخيا كما هو في المشاهد
الكوميدية وإنما متسارعا متوثبا من أجل كشف الأحداث القادمة عن صورة المأساة بألوانها. ولعل ما يكثف البعد التراجيدي الجاد في المسرحية الجوقة وهي في المسرح الإغريقي ناطقة باسم الشعب وتعلق على أحداث المسرحية وقد تجستم ذلك في صورة أهالي بغداد امرأتان وثلاثة رجال حيث يتم أداء الدور بصورة جماعية أو بصورة فردية لا تخلو من إيقاع التناوب ومثال ذلك : الرجل الأول : يأمروننا بالبيعة. المجموعة: فتبايغ. الرجل الثاني: ويأمروننا بالطاعة. المجموعة: فتطيع. المرأة الأولى: ذلك هو سر الأمان في هذا الزمان. هذا الصوت الجمعي يكثف من أجواء الجدية في المسرحية ويساهم بمعية الإيقاع الزمني وصوت الحكواتي في بلورة التوجه التراجيدي . لكن قمة التراجيديا تكمن في النهاية المأسوية وهي على ضربين : مأساة فردية تتمثل في قطع رأس المملوك على مرأى ومسمع الجمهور ولا يخفى علينا ما في ذلك من القسوة والعنف كما هو الحال في مسرح أرسطو ومأساة جماعية تتمثل في سقوط بغداد تحت زحف جيوش التتار وقد برع سعد الله ونوس
في تجسيم هذين المشهدين فوظف كلاً من الموسيقى ولعبة الأضواء والظلال والحركات الإيمائية ليجعل اللوحة المسرحية مؤثرة تأثيرا بالغا في الجمهور، وهذا التأثير لا هدف منه سوى تحريك مستنقع الوعي وهو ما يعرف بالبعد التعليمي القائم على التغريب، فالرسالة التي يهدف الكاتب إلى تبليغها هي رسالة ذات محتوى سياسي في المقام الأول.
الطابع الكوميدي في مسرحية مغامرة رأس المملوك جابر:
تعرف الكوميديا بأنها فنون الهزل والإضحاك التي يرمي من خلالها الكاتب إلى شد الجمهور إلى المشاهد المسرحية ويتجلى هذا الجانب الكوميدي في مسرحية سعد الله ونوس من خلال شخصية المملوك جابر فقد بدت هذه الشخصية في المسرحية شخصية كوميدية من حيث أقوالها وأحوالها وأعمالها . من حيث أحوالها : يبدو جابر في الطور الأول من المسرحية شخصية عابثة لاهية ساخرة تحط من قدر كل شيء لا مبالية بما يجري من حولها من صراعات سياسية طاحنة وما يؤكد ذلك هو قول الحكواتي عنه:" وكان عند الوزير محمد العبدلي مملوك يقال له جابر. ولد ذكي.. وذكاؤه وقاد. أينما حل يحل معه اللهو والمجون. وكان كأهل بغداد آخر من يعنيه ما يجري بين الخليفة وسيده الوزير" من حيث أقواله : ينطق جابر بأقوال كوميدية طافحة باللهو والعبث والسخرية، فهو يحط من قدر كل شيء بدليل قوله عن الوزير والخليفة :" إذن.. ليختلفا، وليفقأ كل منهما عين الآخر.
لن ألطم خدي، وأمزق ثيابي لأن الخليفة والوزير مختلفان" أو قوله :" قد تنفجر مرارة سيدنا الوزير من الكمد، أو يتوقف قلب مولانا الخليفة من الغضب. أما نحن، فلن تنفجر لنا
مرارة، أو يتوقف لنا قلب" . ولعل الجانب الكوميدي يتكثف أكثر فأكثر من خلال لغته الجنسية الماجنة، فهو يخاطب زمرد بلهجة شبقية إذ يشير إلى أنه لا يخشى شيئا في رحلته سوى أن تبالغ زمرد في التثني حين تسير في أرجاء القصر. عندها سيكتشف الوزير نفسه أن لها إليتين تتلاحق لهما الأنفاس. هذه اللغة فيها كثير من الجرأة والتجاسر وهي لذلك تثير الضحك إنها تخرق القيم والآداب وتميط اللثام عن المكبوت القابع في أعماق النفس . من حيث أعماله : إن هذه الأقوال تتناسب مع الأعمال التي تصدر عن جابر، وهي أعمال تجسد البعد الهزلي في شخصيته فهو :" يفرك مؤخرته بباطن كفه، وكأنه يساط فعلا" ساخرا من
منصور الذي يحذر من مغبة التمادي في لامبالاته والاستهانة بكل عظيم وجليل . ومن الأفعال الكوميدية التي يأتيها جابر تقليده لحركات زمرد الأنثوية الطافحة بالإغراء في نظره
فهي" تغمر، وتضحك، ويتثنى جسدها مع الكلام حتى يغلي دم السامع " ولا يتردد جابر في تشبیه نفسه بالثور رمز الفحولة وهو يخور في حضرة الجسد المرمي المحرك لشهوته، يقول جابر:"في كل مرة أراها تجعلني أخور كالثور ". ← إن أفعال جابر وأقواله وأحواله
تثير لدى الجمهور ضروبا من المتعة لحظة المشاهدة المسرحية وهو ما يفسر انشاء الجمهور إليه وتعاطفه معه طيلة أطوار المسرحية من بدايتها إلى نهايتها . لقد برع سعد الله ونوس في بناء هذه الشخصية، فجعلها مركز الثقل في البناء الدرامي وأسند إليها من المخاطبات والحركات ما جعلها تحيا أطوارا وأحوالا يتجسم من خلالها الجانب الكوميدي المثير
توظيف التراث في مسرحية " مغامرة رأس المملوك جابر:
إن استلهام التراث في الأعمال المسرحية معروف عند الإغريق منذ القدم. فقد وظفوا الأساطير و الخرافات التي لا يعلم لها بدء في التاريخ . ومن أشهر أساطيرهم أسطورة
"سيزيف ( Le Mythe de Sisyphe ) "و أسطورة "أوديب (Edipe) "التي جعلها "سوفوكل (Sophocle) "أساسا لمسرحيته الخالدة " أوديب ملكا. ( CEdipe roi) '
ومن الكتاب المسرحيين العرب من استلهم التراثت تقليدا للإغريق ولكثير من كتاب الغرب و نذكر منهم "توفيق الحكيم" في مسرحياته المشهورة "شهرزاد" و "أهل الكهف" و " السلطان الحائر" ... و غيرها. وعلى هذا النهج سار ونوس في مسرحية " مغامرة رأس المملوك جابر" . فقد استلهم فيها التراث الحكائي الشعبي و التاريخ. وهو في ذلك متأثر ببرشت (Brecht) الذي يولي الحكاية أهمية كبيرة في مسرحه الملحمي.
أ - توظيف التراث الحكائي الشعبي و يبرز ذلك في:
-أن ونوس استقى الحكاية التي تقوم عليها المسرحية من حدوثة / أمثولة "المملوك جابر" التي عثر عليها صدفة في قصة شعبية كبيرة موسومة بـ "سيرة الظاهر بيبرس "أو "
السيرة الظاهرية ". و "الظاهر بيبرس" هو أحد سلاطين المماليك المجاهدين في سبيل الإسلام ضد الصليبين و المغول . واشتهر ببطولاته و انتصاراته . وسيرته يتداخل فيها الخيال و التاريخ ككل سيرة شعبية . و أعجب ونوس بحكاية المملوك جابر لأنه وجد فيها مضمونا سياسيا مناسبا لاتجاهه المسرحي الهادف إلى تسييس الجماهير الشعبية، أي توعيتها بواقعها السياسي و الاجتماعي.
وتحضر الحدوثة الشعبية في المسرحية من خلال اسم البطل، و الأحداث التي عاشها، و المصير الفاجع الذي آل إليه.
-إقحام شخصية الحكواتي في العرض المسرحي وهي شخصية متجذرة في تراثنا الحكائي الشعبي ( و هو ما كان يسمى في تونس بالفداوي) . فالحكواتي قصاص شعبي يؤم المقاهي و مجالس السمر ليقص على الساهرين قصصا ذات أحداث مشوقة و يشد إليه انتباه السامعين بخطاب شفوي أنيق لا يخلو من سجع " و عمل البتار و طلع الغبار، و قصرت
الأعمار، و سالت الدماء كالأنهار"... ، و يتفاعل مع الحاضرين بالتشويق ( قطع الحكي في لحظة حرجة من القصة ( بالله عليك كمل - نريد أن نعرف بقية الحكاية - دائما تقطعها في
لحظة حرجة... " ، و أحيانا يتفاعل معهم بتخييب توقعاتهم و هز مشاعرهم بالمفاجآت (نهاية جابر المأسوية).
و لا ريب أن غاية ونوس من توظيف الحكي الشعبي في المسرحية هي تقريب المسرح من الطبقات الشعبية وخلق ما يسمى بالمسرح الشعبي (théâtre populaire )الذي عرفه
في فرنسا . و كان من أشهر منظريه في الخمسينات و الستينات " جان فیلار Jean )"
و كان من أبرز مقاصده ربط صلة وثيقة بين المسرح و قضايا المجتمع ، و العمل على تثقيف الطبقات الشعبية التي لم تحض بالتعليم في المدارس و تحسيسها بإشكاليات واقعها.

تعليقات
إرسال تعليق