مخلص محور الخصوصية و الكونية بكالوريا آداب
تمهيد:
تندرج هذه المسألة في فضاء إشكاني عام هو مطلب الكوني باعتباره ما يوحد الاختلافات الإنسانية على كثرتها وتعددها، يتعلق الأمر إذا بالنظر في إمكانية المصالحة بين الخصوصية التي تحدد هوية الأفراد والمجتمعات والثقافات وانكوني باعتباره مطمح إنساني في تحقيق الوحدة دون القضاء على التنوع وحق الاختلاف. فكيف يمكن إذا أن نتحدث عن كوني إنساني في واقع اختلاف الأفراد واختلاف انتقافات؟ هل يمكن فعلا أن نحقق هذا الكوني أم أن هذا الكوني يبقى مجرد فكرة نظرية تفسد عندما يتحقق؟ كيف يمكن
أن نحقق هذا الكوني دون أن نقع في مشكل الانبتات؟ كيف نحافظ على الهوية دون الوقوع في الموقف الدغمائي الذي يؤدي إلى ادعاء خصوصية ما للكونية؟ كيف يمكن أن نحقق الكوني دون إدانة
الخصوصية ودون الوقوع في فخ الإقصاء وادعاء الكونية؟ وبالتاني كيف يمكن أن نستشرف أفق كوني يتحقق فيه التواصل ضمن شروط اينيقية ويراعي الخصوصية؟
- الخصوصية بين الإنغلاق والإنفتاح على الكونية:
يحيل مفهوم الخصوصية عموما على الهوية باعتبارها ما به يكون الشيء هو نفسه، وهذا التحديد للهوية ليس بعيدا عن معنى الإنية من حيث أنها تحيل إلى ما يميز الإنسان وما يعبر به عن حقيقته من وجهة نظر ميتافيزيقية. بيد أن السؤال عن الخصوصية يحيل إلى الهوية من جهة ما يميز الإنسان بما هو كائن ينتمي إلى مجموعة أو مجتمع معين. وهذا يعني أن إشكالية الخصوصية والكونية تجعلنا نغادر نهائيا حقل الفردية المنغلقة على ذاتها إلى مستوى أوسع من الانفتاح على الغيرية في مختلف أشكالها وأبعادها الثقافية
والحضارية.
والهوية الشخصية من جهة كونها تحيل إلى ما تختص به الذات من تفرد ووحدة والتي تشمل الوعي بالذات وتمثل الفرد لهذا الوعي، نيست إلا بعد من أبعاد الهوية التي يجب أخذها بعين الاعتبار دون التوقف عندها فقط، لذلك كان تحديد "لوك" للهوية الشخصية مختلفا عن تحديده للهوية الإنسانية. فالهوية الشخصية عند "لوك" هي الهوية المنظور نها من الناحية الميتافيزيقية والأخلاقية، وهي نظرة الذات
لذاتها، نظرة داخلية ومتفردة لا يمكن التواصل حولها. فحين يوحد "لوك" بين الوعي والنفس يعزل الوعي عن بقية العالم ويميز جذريابين الهوية بالوعي، وانهوية بأي شيء آخر غير الوعي أو الشخص لأن الوعي عنده هو الذي يحدد الشخص، والشخص لا الإنسان الذي تكون هويته مثل الكائنات الحية مدركة من الخارج فلا الجسد إذا ولا اعتراف الآخر يتدخل في تحديد الهوية عند "لوك" وهكذا فإن الهوية الشخصية عند "لوك التحدد باعتبارها الإحساس اللامنقطع للشخص بأنه هو وبعينه.
غير أن إيدغار موران يتناول مشكل الهوية من جهة تعقد وتنو" ع مستويات الهوية الإنسانية، إذ أنه يرى أن التنوع بين الأفراد والثقافات بيلغ حدا كبيرا إلى درجة أننا نحسب القول بالوحدة الإنسانية ضربا من التجريد. ذلك أن "موران" يعتبر الهوية مركبة من هوية شخصية وهوية اجتماعية وهوية ثقافية أي كهوية تدرك من الداخل ولكن أيضا كهوية يمكن التعرف إليها من الخارج وتمثل الأساس الذي يستمد منه أي مجتمع أو ثقافة اختلافها وتميزها عن مجتمع آخر أو عن ثقافة أخرى، فكيف يمكن إذا أن نحافظ على الهوية دون أن يلحق ضيما بما هو كوني؟
إن "ادغار موران" يريد فهم جدلية الوحدة والتنوع بما هي الأساس التفسيري للإنساني والثقافة على حدّ سواء، إذ يجب حسب رأيه أن ننظر في الوحدة من جهة كونها تنتج التنوع لا من جهة كونها تولد التجانس وتقضي على التنوع كما يجب أن ننظر للتنو" ع من جهة كونه ينتج الوحدة لا التنوع الذي ينغلق على ذاته فيقضي على الوحدة، ذلك أن السؤال عن الهوية عند "ادغار موران" لا يخرج عن سؤال ما الإنسان؟
وبالتالي السؤال عما هو إنساني في الإنسان، خاصة وأن السؤال عن الهوية كثرت المطارحات حوله في الوقت الراهن حيث أصبحنا شهودا مذعورين من المشاهد الوحشية التي تقدمها وسائل الإعلام يوميا، فنتساءل عن طبيعة هذا الكائن القادر على الخير كما الشر إلى أقصى حد . لذلك يرى "إدغار موران" أن الثلاثية الإنسانية المتمثلة في الفرد والمجتمع والنوع تضع الفرد الإنساني في وضعية تسمح له في ذات
الوقت بتكوين تنوع غير محدود ووحدة خصوصية، والعلاقات بين هذه الحدود الثلاث ليست فقط متكاملة
بل هي أيضا متضادة وتمثل إمكانات صراع بين خاصيات بيولوجية وخاصيات ثقافية في سيرورة متعاودة وفي تولد مستمر، ولذلك يرى "موران" أن الهوية الإنسانية تحمل في ذاتها شكل الوضعية الإنسانية لا بطريقة منفصلة أو متعاقبة ولكن بطريقة متزامنة. فالإنسان وفي ذات الوقت كائن عارف وكائن صانع... والهوية المركبة بهذا المعنى لا تذوب لا في النوع ولا في المجتمع بما أن الإنسان كذات أو كفرد لا يتعين فقط في الحوار ذاته ولكن يتعين أيضا في الحوار مع الآخر.
- الكوني بين الإيديولوجي والإيتيقي:
لكن هذا التصور المثالي لهوية مركبة تسمح بلقاء الإنسان بالإنسان في إطار تواصل، لا يعكس واقع البشر في كل العصور إذ بينت التجربة أن لقاء الثقافات كثيرا ما يؤدي إلى مجموعة من ردود الأفعال المرتبطة بالأحكام المسبقة التي عبر عنها لويس ألتوسير بطقوس الاعتراف الايديولوجي, بل وحتى الاثنية الثقافية، وإذا كان الانتماء إلى ثقافة ما يعني التواصل بطريقة خصوصية فإن الحوار بين الثقافات عليه أن يأخذ بعين الاعتبار ظاهرة الغيرية وأن يخضع إلى مقتضيات خاصة إذ ما ادعت ثقافة ما الكونية وهو ما يتجلى في العولمة.
ذلك أن العولمة هي عملية اقتصادية في مقام أول ثم سياسية ويتبع ذلك الجوانب الاجتماعية والثقافية إذ
عملية تحكم وسيطرة تشغل إزاحة الأسوار والحواجز بين الدول، بل أنها تسعى إلى تحويل العالم إلى هي ما يشبه القرية حتى تسهل عملية السيطرة خاصة وأن العولمة من الناحية الاقتصادية تقوم على نشر الرأسمالية كنظام للتجارة وكنظام للإستهلاك وهي عملية يلعب فيها الإعلام دورا كبيرا خاصة وأن الإعلام والاتصال والمعلومات تمثل اليوم المكونات الأساسية في الاقتصاد العالمي، وفرض الرأسمالية
على كل دول العالم تسبب في فقر الدول النامية وارتفاع مديونيتها مما أجبر هذه الدول على تقديم تنازلات سياسية واجتماعية. وهذا ما يضعنا أمام أهم الأسئلة على هامش علاقة العولمة بالهوية وهو سؤال يتعلق بالمكان فالمكان ضلّ على امتداد التركيبة السياسية التقليدية ممثلا في الدولة الوطنية، مكان مغلق على مجموعة من الفاعلين الحاضرين في علاقات تقوم وجها لوجه، هذا المكان أصبح اليوم مجالا كونيا مفتوحا لتفاعلات أبعد من نطاقه المحدد، تفاعلات يدخل فيها أفراد غير موجودين بالمكان ذاته وأحداث لا
تحدث بالمكان ذاته، مما يجعل التعايش بين العولمة والهوية أمرا محدودا للغاية ما دامت الهوية ترتكز على الخصوصية بينما تسعى العولمة إلى تجاوز هذه الخصوصية.
وهكذا يرى "سمير أمين" أن اندثار الحدود السياسية والثقافية والقانونية أمام العولمة المدعومة بوسائل
حديثة للاتصال كالانترنات والفضاءات التلفزية... قد دمر آخر قلاع المقاومة للاكتساح الغربي والأمريكي بالأساس، إذ تتجاوز الهيمنة الأمريكية في العولمة الجانب الاقتصادي والسياسي لتشمل الجانب الثقافي أطلق عليه "سمير أمين" اسم ثقافة العولمة بما يعنيه ذلك من تعميم للقيم النفسية
والعقائدية... الأمريكية على الأذواق والسلوكيات التي تشكل المنظومة المتكاملة للخصوصية الحضارية لبقية شعوب العالم. والمدخل الأساسي لهذه الايديولوجيا الثقافية يتمثل في الإعلام الذي يتجاوز كل الأشكال التقليدية للتواصل والذي أنتج ثقافة جديدة، ثقافة ما بعد ما بعد المكتوب، ثقافة الصورة باعتبارها المفتاح السحري لثقافة العولمة. لذلك ينقد "سمير أمين" المثقفين العرب الذين تدور مناقشاتهم حول إشكاليات مفتعلة تتعلق بالحداثة والأصالة، لأن الثقافة بالنسبة لـ: سمير أمين، ليست منظومة صلبة وجامدة في الزمن والمسألة بالنسبة إليه يجب أن تطرح في إطار النسبية الثقافية أين تتحدد الثقافة باعتبارها مبدأ
تكيف مع ظروف الحياة . وفي إطار هذه المنظومة للنسبية الثقافية يرى "سمير أمين" أنه بالإمكان تطوير ثقافة جديدة تجابه العولمة الثقافية وتحمي الهوية الثقافية من الهيمنة التي تفرضها أمريكا. المشكل إذا بالنسبة لـ"سمير أمين" لا يتعلق بالتهجم على الحداثة والكونية التي نظرت لها الحداثة مع "كانط" وإنما في مجابهة ثقافة العولمة.
ذلك أن كانط كان ينظر لإقامة سلم دائمة، كان يرى أن السلم بين الشعوب والثقافات والدول هو مشروع قابل للتحقيق لا بمعنى تغيير جذري في الإنسان ولكن بمعنى إنشاء الحق الذي سيكون خلاص سياسي للإنسان، فالسلم لا يكون إلا بتطبيق الحق ولا تكون شرعية إلا العلاقات سواء بين الأفراد أو الدول التي لا تقوم على العنف وإنما تقوم على الخضوع الحر لقانون مشترك. والكونية التي يتحدث عنها "كانط" تتمثل في سن قانون سياسي كوني يحمي حق الغرباء، جعل كانط يدافع عن فكرة مواطنة عالمية بحيث
يتمتع الفرد بحقوقه بطريقة مستقلة عن انتمائه الوطني والإقليمي. وهذا يعني أن الحق السياسي الكوني
عند كانط هو إدانة لغطرسة الدول الاستعمارية وإدانة لكل أشكال التخوف من الغريب ولذلك فإن تأسيس حق سياسي كوني، يجعل من كل إنسان مواطنا للعالم لا مواطنا عالميا بمعنى تنكره لأصوله وثقافته، بحيث يكون الوعي بالمواطنة متسعا بحسب العالم كله. وذلك ممكن بالنسبة لكانط لانه يعتبر أن ما يجب على الإنسان فعله هو بالضبط ما يستطيع الإنسان فعله. ذلك هو معنى الحرية الأخلاقية عنده، وذلك هو أيضا المطلب الإنساني الذي نظرت له الحداثة مع كانط، وهو ايضا ما نظر له هيغل في سياق مخالف تماما للكانطية عندما بين أن الفرد لا يتحرر من طبيعته المباشرة إلا عبر اغتراب الذات المشكلة، إذ بهذا الاغتراب يمكن للفرد أن يحقق اعتراف الآخرين به في بعده الإنساني النوعي ككائن ثقافي قادر على تحقيق كل أنواع الغايات.
ذلك أن الثقافة عند هيغل هي التحرر، إذ تمثل نقطة التحول المطلق نحو الروحاني السامي، والإرادة الفردية لا تتوصل إلى تحقيق الحرية إلا إذا تعالت على الرغبات و الدوافع الفردية، وهو ما يتحقق في سيرورة الثقافة باعتبارها سيرورة مشكلة للطبيعة الخارجية عبر العمل، و مشكلة في ذات الوقت للطبيعة المباشرة للإنسان. ودور الثقافة بالنسبة لـ " هيقل" باعتبارها كذلك، يتمثل في توسيع الخصوصي وتحقيق الكوني، وهكذا فإن الجدلية المركزية عند "هيقل" تتمثل في جدلية الجهوي كذات وجدلية الشامل كإجراء
لا متناهي، ولذلك يرى "هيغل" أنه ليس هناك أي تعبير كوني ممكن للخصوصية كخصوصية. ومن هذا المنطلق الهيقلي يجب الاحتراس من الأطروحات الدارجة اليوم والتي تقر بأن وصفة الكونية تتمثل في احترام الخصوصيات لأن هذه الوحدة تقودنا إلى التمييز قبليا بين خصوصيات جيدة وخصوصيات رديئة، وتعتبر أن الخصوصية الجيدة هي الخصوصية التي تتضمن في ذاتها احترام الخصوصيات الأخرى وهو ما يعني أن الكوني عند "هيغل" لا يتقدم كتقنين للخصوصي، أو للاختلافات ولكن كفرادة تملصت من
المحمولات الهوية رغم كونها تشتغل في هذه الحمولات وبها.
لكن لا "كانط" ولا "هيغل" كرو" اد للحداثة كان بإمكانهما أن يأخذا بعين الاعتبار أهمية العامل الاقتصادي في نشأة الحروب واندلاعها وهو ما تشهد عليه العولمة. ذلك هو المنطلق الذي جعل "بودريار" يعتبر أن الكوني كأطوبيا تغنت بالحداثة ونظرت إليه يموت عندما يتحقق، لأن الكونية تفسد عندما تتحقق. ذلك أن العولمة حسب "بودريار" ليست شيء آخر غير الخصوصية المدعية للكونية، والثقافة الغربية التي كانت حبلى بالكوني، عندما جاءها المخاض ولدت العولمة فماتت بدورها. ولكن إذا كان موت الثقافات الأخرى
موتا رحيما لأنها ماتت من فرط خصوصيتها، فإن موت الثقافة الغربية كان موتا شنيعا لأنها فقدت كل خصوصية عبر استئصال كل قيمها المثلى (الحرية، الديمقراطية، حقوق الانسان...) في إطار العولمة إذ أن الكوني "يهلك في العولمة."
- مشروعية الإختلاف:
إذا كانت العولمة تسير في اتجاه القضاء على الاختلاف كما أشار إلى ذلك "بودريار" فإن هذا الاختلاف يمثل بالنسبة لـ"كلود لفي ستروس" واقعا طبيعيا. إذ يلاحظ "كلود لفي ستروس "أن الحضارات

تعليقات
إرسال تعليق