Main menu

Pages

ملخص الخصائص الفنية في مغامرة رأس المملوك جابر بكالوريا آداب

 البـاب  : I  : الخصــــــائص الفـنـيـة 





مـدخـل نـظـري

تنزلت مسرحية " مغامرة رأس المملوك جابر " في المرحلة الثانية من مسيرة الإبداع المسرحي لسعد الله ونوس التي تمتد من سنة 1967 تاريخ هزيمة حرب حزيران إلى حدود سنة 1973 تاريخ حرب أكتوبر، و هي المرحلة التي خرج فيها ونوس من طرح قضايا الإنسان من حيث هو ذات فردية تستبد بها هموم وجودية إلى طرح قضاياه باعتباره ذاتا اجتماعية تنتمي إلى مجتمع مهزوم يعاني من مشاكل سياسية و اجتماعية أفضت به إلى الهزيمة، ويضع ونوس على عاتقه مسؤوليـة كشف تلك المشاكـل و تحديد أسباب الهزيمة و محاولة بث الوعي و رسم الطريق التي تساعد على تفاديها. و المسرحية صدرت في طبعتها الأولى سنة 1971، و قد أدرجها المؤلف عند تقديمها ضمن ما سماه " مسرح التسييس" الذي عرفه بأنه حوار بين مساحتين الأولى هي العرض المسرحي الذي تقدمه جماعة تريد أن تتواصل مـع الـجمهـور و تحاوره و الثانية هي جمهور الصالة الذي تنعكس فيه كل ظواهر الواقع و مشكلاته..." ( من مقدمة المسرحية طبعة دار الآداب، بيروت ص 43) و اعتبرها مشروع عمل " لا تتوقف حدوده عند الهواجس الجمالية بل تتعداها إلى المشكلات السياسية والاجتماعية للواقـع . " والمسرحية كما يقدمها صاحبها وظائفيا تجمع بين الإمتاع و تفعيل العقل النقدي عند المتقبل متفرجا كان ام قارئا فهو يريدها على مستوى العرض " فرجة ممتعة و مفيدة تدفع المتفرج إلى تأمل مصيره" و لعل المؤلف في هذا التقديم رسم لنا الخطوط العريضة لمذهبه الفني و التي ظهرت في تشكيل بناء المسرحية وصياغة مضمونها، فما هي الخصائص الفنية للبناء المسرحي في مسرحية " مغامرة رأس المملوك جابر؟" و ماهي القضايا المعروضة في مضمون هذه المسرحية؟

تجمع هذه الخصائص بين طـرائق بناء النص المسرحي و بناء الشخصيات و علاقاتها و بناء الإطارين الزماني والمكاني ثم صياغة الحوار المسرحي.

أ- بناء النص المسرحي:

 قام بناء النص المسرحي في مسرحية " مغامرة رأس المملوك جابـر " على

التـنـوع في طرائق البناء و أساليبه و أهم ما يمكن أن نتبينه في هذا التعدد من خصائص نجده في:

البناء الخارجي: خرجت المسرحية في مستوى البناء الخارجي على مقتضيات البناء في المسرحية الكلاسيكية

فلا نجد فصولا و لا مشاهد و لا يفصل بين العرض و الآخر سوى تدخل الحكواتي أو دخول الممثلين لترتيب الركـح و الديكور، و تتماشى هذه الطريقة في البناء الخارجي للمسرحية مع مذهب سعد الله ونوس في رفضه القوالب الجاهزة في العرض و الإخراج و لذلك يظل هذا البناء للمسرحية مجرد اقتراح لا غير.

البناء الداخلي:

تقوم عناصر البناء الداخلي لهذا النص المسرحي على التعدد و التنوع و يمكن أن نجملها في العناصر التالية:

التضمين : 

إذا كان التضمين تقنية سردية فقد وظفه ونوس ببراعة في بناء مسرحيته " مغامرة رأس المملوك جابر" فالمسرحية افتتحت بفضاء الفرجة حيث الزبائن ينتظرون في المقهى مجيء الحكواتي و ظهور هذه الشخصيـة تـضمـن قصة الخلاف بين الخليفة و وزيره، و هذه تضمنت قصة رأس المملوك جابر.

التناوب بين السرد و الحوار: إن من مميزات البناء في هذا النص المسرحي ظاهـرة الـتـنـــــــاب بين السرد و الحوار ذلك أن النص المسرحي قد انبثق في صلب نص روائي فالسرد يبث التاريخ في الآذان و الحوار يجسمه في العيان، و هذا التناوب بيـن الـسـردي و الـحواري أفضى إلى التداول بين المحكي و المرئي

أو التداخل بينهما و هو ما تعبر عنه الإشارة الركحية التالية ( أثناء كلام الحكواتي يجري تركيب غرفة على المسرح، و الباب مغلق يقف عليه حارس)

الإشارات الركحية: تميزت بحضورها المكثف في نص المسرحية و بتعدد وظائفها الدلالية و أهم تلك الوظائف

الوظيفة التأطيرية:

مثل تأطير السياقات الـتـاريخية للأحداث و الحوارات المحكية و المرئية و نجد ذلك على سبيل المثال في بداية المسرحية " جابر:

( يتقدم نحو رفيقه لاهيا.. مدندنا) أو تأطير فضاءات الأحداث التاريخية مثل قوله: ( يدخل ممثلان يحملان قطع ديكور بسيطة جدا تمثل ما يشبه رواقا في قصر بغداد) أو فـضـاء الأحداث المسرحية و هو المقهى و الشاهد عليه فـولـه فـي مستهل النص المسرحي ( الوصلة الغنائية مستمرة، و معها الضوضاء العادية للمقهى. الخادم لا يكف عن الدوران حاملا إما صينية شاي أو موقد الفحم) و يمكن أن ندرج في هذه الوظيفة التأطيرية تقدم الشخصيات من حيث هي نوات حالية تتميز بصفات محددة مادية أو معنوية أو من حيث هي ذوات فاعلة تؤدي أدوارا معينة.

الوظيفة التعبيرية: في هذه الوظيفة تؤدي الإشارة الركحيـة دلالـة التـعـبـيـر عن مواقف الشخصيات وأحوالها النفسيـة و الذهـنيـة مثل الخوف و الحيرة و القلق و نجد ذلك في إشارات من صنف ( كأنه فوجئ، ساهما، متأثنا، لاهنا،...)

الوظيفة الهزلية : تضفي هذه الوظيفة النفس الكوميدي على الفعل المسرحي لإضحاك المتفرج و إدخال الأريحية على نفسه المهمومة بالمشاغـل اليوميـة و نجد ذلك على سبيل المثال في الإشارة الركحية المسندة إلى شخـصبـة جابر( يفرك مؤخرته بباطن كفه، و كأنه يساط فعلا).

الحبكة المسرحية:

تقوم هذه الحبكة على العقد و المفاجآت التي تساهم في نمو الفعل المسرحي و أهمها عقد الخلاف بين الخليفة و وزيره و هو خلاف متصاعد انتهى إلى فرض الحصار على بغداد خوفا من تسرب رسالة الوزير إلى أحد ملوك الأعاجم و هكذا فإن تفاقم الخلاف يساهم في تنامي الفعل المسرحي فكل واحد من الشخصيتين يرسم خطته في الإيقاع بخصمه و في سياق ذلك تظهر عقدة تسريب رسالة الوزير من بغداد

وكانت المفاجأة بحل هذه العقدة من المملوك جابر و بهذه المفاجأة يتنامى الفعل المسرحي باتجاه النهاية.

النهاية المأساوية : بقيت النهاية في مسرحية "مغامرة رأس المملوك جابر" مدار تشويق للمتقبل بل وصارت في لحظة من لحظات الفعل المسرحي محل رهان المتفرجين (زبائن المقهی) و تمیزت هذه النهاية بطابعها المأساوي، فالماساة عمت أهل بغداد وخصت جابر الذي قطع رأسه وهو غريب في بلاد الأعاجم "وحمل موته تحت فروة رأسه" وماساة جابر كما تبدو لنا ذات بعد انتقامي مارسه المؤلف على هذه الشخصية التي رمزت إلى الانتهازية.

العناصر التراثية في بناء النص المسرحي : إن توظيف سعد الله ونوس للعناصر التراثية في بناء هذا النص المسرحي

لا يصدر عن رغبة في تأصيل المسرح داخل فضائه الثقافي بل يصدر عن مذهب فني في التعامل مع هذه العناصر التي ينظر إليها ونوس باعتبارها وسائل فنية في بناء النص وتبليغ الفكرة قيمتها ليست في انتمائها إلى التراث بل في فاعليتها الإبلاغية لقربها من نفوس المتقبلين وملاءمتها لطبائعهم وهذا ما عبر عنه ونوس في مقالة له بعنوان "بيانات لمسرح عربي جديد" نشرها بمجلة "المعرفة" (السورية)، عدد 104 - أكتوبر 1970 ، وتحولت إلى مشروع كتاب بنفس العنوان ضم إلى جانب البيانات ملاحق وعددا من المقالات الأخرى في نفس الموضوع وحوارات أجراها معه كتاب ونقاد، وذلك حين يقول "فقد تستلهم أنت شكلا من أشكال الفرجة القديمة وتصوغ عبره عرضا مسرحيا لا يقول في النهاية إلا أفكارا غيبية أو سلفية أو يمينية. وفي هذه الحالة فإني 

الجمهور وقضاياه، وأهم العناصر التراثية التي وظفها ونوس في مسرحية "مغامرة رأس المملوك جابر" الحكواتي والتراث السياسي العباسي.

بناء عناصر الفرجة : إن أهم العناصر التي تشكل الفرجة في هذه المسرحية هي الديكور والأضواء والظلال ونجد أن المؤلف قد فسح المجال للمخرج وترك له حرية التصرف في بناء هذه العناصر وفق ما تسمح به إمكانيات الإخراج ويظهر ذلك في بعض الإشارات الركحية ذات الوظيفة التأطيرية لديكور العرض مثل قوله في بداية المسرحية (يدخل ممثلان يحملان قطع ديكور بسيطة جدا تمثل ما يشبه رواقا في قصر بغداد. ويمكن هنا وفي كل المشاهد التالية الاستعاضة عن قطع الديكور بلوحات مرسومة) وهذا الموقف الفني لا يخص بناء عناصر الفرجة فحسب بل عناصر البناء الأخرى ويتماشى ذلك مع الموقف النظري لونوس الذي يرفض القوالب الجاهزة في البناء المسرحي بل ويتماشى مع المسرح الشعبي المسيس لأن ترك الحرية للمخرج في تشكيل عناصر الفرجة لازمة من لوازم هذا المسرح الذي يجري تفعيله وفق ما يتوفر من إمكانيات ولو كانت بسيطة.

ب) - بناء الشخصية المسرحية :

تقوم هندسة الشخصيات في المسرحية على بناء هرمي يعكس هرمية النظام الاجتماعي السائد في الواقع وفي التاريخ فهناك الخليفة ووزيره / الحاشية/ الرعية، ولكن هذه الشخصيات متعددة ومتنوعة في طبائعها وانتماءاتها ودلالاتها الرمزية،ومتفاوتة في درجات فاعليتها في الحبكة المسرحية، وبناء على هذا التنوع والتعدد يمكن أن تختلف معايير التصنيف بين الدارسين والنقاد ولعلنا نختار من هذه المعايير أكثرها إحاطة بالقيمتين الوظائفية والدلالية الرمزية لهذه الشخصيات، ووفقا لهاتين القيمتين نتبين شخصيات المسرحية على النحو التالي :

- السائس والحاشية :

تجمع شخصيات السائس والحاشية كل من له علاقة بالقصر والحكم.


- الخليفة / الوزير :

هما وجهان لعملة واحدة هي الفتنة والصراع على السلطة، ورغم أنهما يمثلان محور المسرحي فقد كان حضورهما باهتا في مستوى العرض الحكي والمرئي ، قدمهما الحكواتي في بداية المسرحية

على هذا النحو "قال الراوي ... كان في قديم الزمان وسالف العصر والأوان خليفة في بغداد يدعى شعبان المقتدر

بالله وله وزير يقال له محمد العلقمي" ، ولم يظهرا على الركح إلا في مناسبة واحدة بالنسبة إلى الخليفة (مع أخيه

عبد الله) وفي مناسبتين بالنسبة إلى الوزير (مع أحد أنصاره عبد اللطيف ثم مع مملوكه جابر)، ولكن بالمقابل كان لهما حضور قوي في التخاطب المسرحي لبقية الشخصيات من أفراد الحاشية والرعية باعتبارهما محور الخلاف الذي مثل هاجسا بالنسبة إلى هذه الشخصيات 

عبد الله / عبد اللطيف :

 لا تظهر هاتان الشخصيتان في الفعل المسرحي إلا من خلال الخليفة والوزير فهما

شخصیتان مساعدتان لطرفي الصراع، الأول هو أخو الخليفة ومستشاره ومساعده في إدارة الصراع مع الوزير،

يحتكم إلى منطق القوة لا إلى قوة المنطق فيقول في إحدى مخاطباته مع الخليفة " القوة هي ميثاق كل المواثيق يا

خليفة المسلمين"، والثاني هو كما قدمته المسرحية "أحد أمراء بغداد ذوي الغنى والنفوذ" وبالتالي فهو يرمز إلى

أصحاب النفوذ والمصالح المالية ممن ارتبطت مصالحهم بطرف سياسي معين فهو يناصر الوزير من منطق المحافظة على مصلحته ولذلك نجده بقدر ما يدعم الوزير في موقفه يتوجس الخوف على تلك المصالح من الغزو الخارجي فيقول مخاطبا الوزير "ليس سهلا أن تطلب غزوا أجنبيا دون تقدير جيد للموقف ... أنت تعرف ماذا يعني الجيش الغازي عندما ينتصر ... إنه خراب طائش قد تستحيل السيطرة عليه ..." وهذه المخاطبة تعبر عن خشية الشخصية أن تتجاوز الأمور مجرد إسقاط الخليفة إلى النهب والتخريب 



تعليقات