Main menu

Pages

الإطار الحضاري لأدب الجاحظ بكالوريا آداب

الإطار الحضاري لأدب الجاحظ و المنهج العلمي الذي اعتمده :




الإطـار الـحـضـاري للـجـاحظ

لقد بدأت حركة التدوين في القرن الثاني الهجري واتسعت وازدهرت في القرن الثالث وحل المكتوب محل الشفوي،

ومع الجاحظ ظهر الخطاب العقلي المعرفي مدعما الخطاب العقلي السلوكي، ونضجت حركة الأدب والعلم والمعرفة، واستقامت المرجعيات وانتصبت المناظرات، وراجت سوق الدراسة والبحث وتعددت المناهج، وتنافس المتنافسون. وقامت ثقافة إسلامية إلى جانب ثقافة عربية قد اشتد بينهما التعامل إلى حد انصهار الواحدة في الأخرى، ولم يعد المجتمع مجتمعا مغلقا، فهبت عليه رياح الفلسفة والمنطق وكذلك الرياضيات من اليونان، وتأثر بالحضارة الفارسية وبغير ما من الحضارات الأخرى المجاورة، فحصل التثاقف وكان الإثراء والإخصاب للفكر العربي وبدرجة أولى للفكر الجاحظي.

ولأول مرة في تاريخ المجتمع العربي، تتصالح المتلطة مع رجل الثقافة وهي ظاهرة تأكد شذوذها في التاريخ القديم

وكذلك الوسيط، فالكل يعلم ما لحق غيلان الدمشقي كرائد فكري في أواخر القرن الأول، وما تعرض إليه عبد الله بن

المتفع الداعي إلى سلوك عقلي في القرن الثاني للهجرة.

بينما قد سجل التاريخ تصالحا بين المأمون الخليفة العباسي وأهل الرأي في عصره إذ كان من مؤسسي بيت الحكمة

ومن المشجعين عن فن الترجمة لتنبثق الحركة العلمية والفلسفية وفي هذا السياق يقول الجاحظ : "وقد أمكن القول وصلح الدهر، وهبت ريح العلماء وكسد العي والجهل، وقامت سوق البيان والعلم" كتاب الحيوان. وتلك هي لغة الجاحظ و لهجته في عهد المعتصم.

هكذا نخلص إلى القول إن الجاحظ نشأ وتربى ونضج في وسط التصالح السياسي الثقافي، فكانت رسالته بالأساس الدفاع عن الثقافة العربيـة، والدفاع عن الأمة بعد أن تسلح بالعقل المعرفي والثقافة العربية هي لغة ودين وإيمان ومذهب وعقيدة فتجرد صاحب الحيوان للذود عنها وتثبيتها وتأصيلها تأصيلا للكيان العربي في زمن صراع الحضارات.



الـجـاحظ و الـمـنـهـج الـعـلـمي :

إن المتتبع لمؤلفات الجاحظ وخاصة كتابي "الحيوان" و"الرسائل" تستوقفه العديد من مظاهر النزعة العقلية، فقد

تميز الرجل باعتباره مثالا للعالم المفكر بخصال الموضوعية والثقة والتثبت في البحث عبر توظيف المعاينة والتجريب وإجراء الشك طريقا إلى اليقين وما يستوجبه ذلك من تحقيق في المنقول من الأخبار.

أ) الجاحظ والتقل : 

أشاد الجاحظ في مختلف كتاباته بالعقل ونزله مكانة مميزة فهو آلة المعرفة وأداتها والفصل بين الخطأ والصواب لذا كان دائم الدعوة إلى الاهتمام به محذرا من الاكتفاء بالظاهر السطحي والاغترار بحكم الحواس إذ يقول في هذا السياق : "لا تذهب إلى ما تريك العين واذهب إلى ما يريك العقل والعقل هو الحجة" كما يقول كذلك :

"عمري إن العيون اتخطئ وإن الحواس لتكذب وما الحكم القاطع إلا الذهن"

ب) الجاحظ و الشـك :

سلك الجاحظ في التعامل مع الأخبار التي دونها منهجا علميا فكان لا يقر بالخبر، ولا ينكره إلا بعد عرضه على

محلك الشك والصعاينة والتجربة.

تتوفر مدونة الجاحظ (كتابا الحيوان والرسائل) على مجموعة من الأخبار المنقولة عن رواة مختلفين, وقد تعامل

معها الجاحظ تعاملا علميا منهجيا أساسه:

* الشـك المنهجـي فـي الأخبـار :

تلوح الدعوة إلى الشك في كتب الجاحظ قوية وصريحة وواضحة والشك هو الوقوف بين التصديق المطلق والتكذيب المطلق بل هو التحري والتثبت 

الشك طريق إلى اليقين وليس غاية في حد ذاته يقول الجاحظ : "ولم يكن يقين قط إلا وكان قبله شك"

وبذلك يؤكد الجاحظ على معنى التلازم بين الشك واليقين وهو ما تؤكده الدعوة إلى تعلمه " تعلم الشك في المشكوك

فيه تعلما"

الشك ممارسة عقلية تجلت في كتب الجاحظ من خلال :

دراسة الأسانيد : 

اهتم الجاحظ بالزواة وتثبت من صدقهم وعدالتهم

زعم لي ابن أبي العجوز : "أن الدساس تلد "....

فإن كان خبرهما عن إسحاق فقد كان إسحاق من معادن العلم " - كتاب الحيوان" الجزئي السادس

دراسة المتون:

مثلما أولى الجاحظ عناية بالأسانيد فإنه لم يغفل عن الاهتمام بالمتون وذلك بوضع آلية صارمة في التعامل معها:

إنكار ما يقوم منها على التناقض.

إنكار الممتنع في طبيعته.

الشك الجاحظي وجه من وجوه النظر العقلي وطريق إلى العلم الصحيح والمعرفة اليقينية.

ج) المـعـايـــة : 

أكد الجاحظ على أهمية المعاينة واعتبرها منطلق المعرفة وأشاد بفضلها وقيمتها.

"كل قول يكذبه العيان فهو أفحش خطأ وأسخفوا مذهبا"

"وليس يشفيني إلا المعاينة"

لذلك حث الجاحظ على اعتمادها معيارا في قبول الخبر أو رفضه.

إقرار الخبر :

"ودخلت يوما على ابن أبي كريمة وإذا ذبان كثيرة قد تساقطن فمتن ... فلا تلبث أن تراها قد تحركت ثم مشت ثم طارت

في إنكار الخبر ورفضه : 

رأيت مرة كلبا ... فلم ينبح ولا أصابه مما يقولون قليل ولا كثير.

المعاينة في الملاحظة بدعمها النظر المقلي لتدقيق المعرفة.

د) التجربة :

أشاد الجاحظ بقيمة التجربة واعتمدها وسيلة للتأكد من صحة الأخبار.

"العقل المولود متناهي الحدود وعقل التجارب لا يوقف منه على حد"

تعددت التجارب في كتابات الجاحظ وتنوعت ويمكن تصنيفها إلى :

* تجارب شخصية :

لقد وجد الجاحظ في الحيوان مجالا واسعا للتجريب، فلم تشفه تجارب غيره فأعاد ما أمكنه منها للتأكد من صحتها. من ذلك وضع حية في الشيح للتأكد من خبر يقول إن الشيح والسذاب يقتلان الأفاعي : "أما أنا فإني ألقيت على رأسها من السذاب فأعمرها فلم أجد على ما قالوا دليلا ". إضافة إلى الاعتماد على تجارب غيره من ذوي الاختصاص كالحوانين والسماكين / خبرني من يصيد العصافير

كان الجاحظ حريصا على تكرار التجربة تلافيا للخطإ وتنويعا لموضوعها قصد التعميم وهو ما تؤكده التجارب

المختلفة على الكلب قبل الوصول إلى نتيجة "الانتباه الغريزي عند الكلب ". 

هـ) الموضوعية :

بدا الجاحظ محايدا موضوعيا وخاصة في عرض موقف الخصم قبل دحضة عرضا أمينا إضافة إلى عدم التمييز في كتاباته بين مصادر المعرفة إذ نقد الأعراب كما نقد أرسطو والنظام كذلك كما كان الجاحظ بعيدا عن التعصب للرأي أو الموقف منتصرا للحق متجاوزا لمكانة العلماء وسلطتهم وشهرتهم مغلبا سلطة العقل واعتبره هو الحجة. حتى أنه أقر بفضل الزنج ودافع عنهم وأنصفهم في مجتمع عبودي :

"وقد قال ناس: إن الزنج صاروا أسخياء لضعف عقولهم... فقلنا لهم : بئس ما أثنيتم على السخاء والأثرة. وينبغي

في هذا القياس أن يكون أوفر الناس عقلا وأكثر الناس علما أبخل الناس بخلا وأقلهم خيرا ."

- كتاب فخر السودان على البيضان. الرسائل.

تعليقات