"إصلاح موضوع حول "الانية والغيرية
الموضوع:
هل نحتاج الغير لنحصل على وعي حقيقي بذواتنا؟
مقدمة:
عندما تغادر لامبالاتنا و تضطلع بمهمة التفكير في الحياة اليومية نكتشف مدى حاجتنا للعزلة و التوحد ، ذلك ان اغلب النوات يستبد بها القلق و تشعر بالاغتراب جراء ما تفرضه الإلزامات الاجتماعية و حضور الآخرين ، هذه النوات تعيش تمزقا انطولوجيا ، يجعلها تفقد كينونتها ، لتتورط ، أحيانا في كم من الاستفهامات ، سرعان ما تتحول الى هم و انشغال و استشكال فلسفي يقودها طموح البحث عن
حقيقها ، بما يؤكد قناعة جديدة تتمثل في ضرورة الاعتصام بموقع السؤال اكثر من الجواب ، ولا شك أن هذا الوعي القصدي و الفلسفي بضرورة استشكال الانية ينزع عنها كل بداهة ويرمي بها في متاهات التفكير واذا كان الامر على هذا النحو فن سؤال الآنية هو سؤال الفلسفة بامتياز ، تثیره و تشتغل عليه علها بذلك تمسك ببعض تلاوينها و تضيء شيئا من جوانبها ، وهو ما شرع لتجدد هذه الأسئلة وتناسلها
شأن هذا السؤال: هل نحتاج الغير لنحصل على وعي حقيقي بذواتنا؟ ولا شك ان أي قراءة له تنهي حتما
الى كشف طابعه الاشكالي وامتداد معضلاته، فكيف تبلغ معرفة مقنعة بانيتنا؟ هل يتحقق هذا المطلب في غياب الغير فتكون، حينئذ، تجربة العزلة والوحدة افقا لذلك؟ الا تستدعي هذه المعرفة هجر قلعة الذاتية وكسر قيود العزلة للانفتاح على الغير؟ وأي معنى للغير؟ وكيف له ان يمثل ارضا خصبة تتشكل فيها الانية؟
الجوهر:
ان التفكير في الانية يتنزل أولا في مستوى النظر فيها من جهة اقصاء كل ما هو مغاير لها ، واذا كان المقصود بالانية جوهر الشيء و ماهيته و قوامه فهي تفيد ما به يكون الانسان انسانا و ما به يتميز عن غيره ، و هذا التحديد للانية يفترض ضرورة تقصي حقيقتها و ادراك ماهيتها ، حيث ان تحويلها من البداهة الى الاستشكال يفتحنا على افق بحث يتعلق بتاهيل تجربة العزلة و خيار الوحدة كاحد السبل
الممكنة في فهم هذه الانية، فالوحدة تؤخذ في معنى عودة الذات الى ذاتها ، وهي بما تحيل عليه من غياب الكلام و انتفاء أي نظرة خارجية ، تشد انتباهنا لتصبح لحظة فارقة ، وفي هذه العودة نكتشف ذواتنا لان قرار الوحدة يجعلنا لا نفكر في أي شيء سوى ذواتنا و على هذا المنوال يتحول الفعل الانعزالي إلى شرط للوعي بالانية الأمر الذي يؤكده اوغسطينوس بقوله «عد الى ذاتك لان في داخل الانسان تسكن الحقيقة". غياب الغير يمثل ، اذن ، لحظة حاسمة و ضرورية لمعرفة الذات، و في الحقيقة ، و نحن نسير على خطى أوغسطينوس لا يسعنا لا ان تردد معه باننا " الأقرب و الابعد عن ذواتنا في ان" و ليس لذات أن تعرف انييتها و تكتشفها بدقة الا في هذه العودة و الانثناء إلى الذات بما تحيل عليه من استبطان و تأمل الذات لذاتها) و تبعا لذلك ما علينا قوله هو اننا لسنا بحاجة الى الغير حتى نبلغ معرفة بذواتنا الأمر الذي يجعل العزلة و الانا وحدية ضرورة ليتحقق وعينا بانيتنا: و ان نتملك هذا الوعي بوجودنا الخاص يعني اننا نوجد و نعرف اننا نوجد. هذا ما تؤكده الفلسفة الديكارتية ، اذ عند البحث عن اليقين و الحقيقة العزل عن العالم، وفعل الانعزال و التوحد هو ما يجعل وجود الذات لذاتها امر ممكن و متاح و في حدس
الانا افكر" تتأسس الذات و تملك يقين ذاتها بذاتها ، انها علاقة عمودية داخلية يتم فيها اثبات الوجود من الفكر ، و طالما ان الذات تدرك وجودها من فكرها ، فهذا هو عين الفعل الانعزالي و هذه هي حياة الوحدة التي لا تفهم فقط في معنى الإقرار بأننا لسنا بحاجة الي الغير لنعي ذواتنا و انما لسنا بحاجة إلى أي شيء آخر غير ذواتنا ، لسنا بحاجة الى العالم و الآخرين و ما شابه ذلك. فهل ان الوعي، مثلما أكد ذلك ديكارت، جوهر قادر على ان يحدد حقيقة الآنية باستقلال عن العالم والآخرين؟ هل يمكن لي أن اعي هذه الانية وانا أرى العالم وهما؟ بالابتعاد عن العالم و الانعزال عن الغير و هجر كل ما يمثل ارباكا و اهتزازا ، تتوفر للانا إمكانية التأمل ، فتنقطع عن كل فعل و لا تنشغل بأية منفعة ، لذلك فغاية ديكارت في تأملاته ، داخل تجربة العزلة ، ليس فقط ادراك حقيقة الانا و الوعي بها و انما أيضا بناء صرح المعرفة ، ومن هنا فان الشك الذي بلغ ذروته يمثل منهجا ملائما لتحقيق هذه الغاية و عليه فان الشيء
الوحيد الذي يظل يقينيا انما هو الوجود الخالص للذات "كشيء مفكر" ، وقد يحدث ان كل ما تفكر فيه خاطئ و لكن هذه الذات التي تخطئ لابد أن تكون موجودة ، موجودة كجوهر مفكر ، وتبعا لذلك فان أي شك في التفكير يلزم عنه ضرورة استمرار التفكير بما يجعل منه يقينا ، و اذا اعتبرنا ان لحظة الوعي بالوجود تقترن بامتداد التفكير ، يقطته و صحوته ، فذلك يعني أن وعي الذات بوجودها يكتمل من لون حاجة للعالم أو الآخرين ، فالغيرية وهم ، وليس في تجربة العزلة فقط تتحقق الآنية و انما في الاقتاع
بأن العزلة تصبح مذهبا ، انه مذهب الانا وحدي ، و ذلك من جهة ان الوعي بالانية لا يكون بترصد فرصة غياب الغير و انما بتأكيد و اثبات أن هذا الغياب هو شرط تشكل حقيقة الانا و هكذا علينا فهم معنى الأطروحة الديكارتية من جهة إقرارها بأن الوعي جوهر لا يحتاج شيئا غير ذاته ليكون وفي الميتافزيقية يكشف عن ضرورة تجربة العزلة و ببين عرضية وهامشية الغيرية.
تثير فينا هذه المقاربة للانية، والتي تختزلها في الوعي المتعالي والمنغلق، رغبة في هذا التصور الذي يقود الى الوله الذاتي والنرجسية المفرطة، ومراجعة هذا الخطاب المدحي والافتخاري للأنا والمحفز من شان كل مختلف ومغاير، الا تتحول هذه الحميمية مع الذات الى عائق للتواصل مع الغير؟ لا شك أن هذه الحميمية، وهذا الانعزال، يؤديان الى تمركز الذات حول ذاتها، فتتشكل رؤية فردوسية تجعل منها
مركزا، وبهذا المعنى تتحول علاقة الذات بذاتها من علاقة وجود الى علاقة ملكية، هذه هي الآنية مغلفة بلا نوافذ ولا أبواب، تحي ضمن الوجود الساكن غير قادرة على تحويل ذاتها موضوعا وغير مكترثة بالمغاير جراء وهم التأسيس الذاتي. هكذا يمتلك السؤال شرعية الطرح مجددا: هل يمكن اعتبار الوعي، بوصفه محض تجربة داخلية مستقلة عن كل غيرية، رؤية متماسكة للانية؟ الا يمثل القول، على النقيض
من ذلك، بانه لا يمكنني أن أحصل على وعي بذاتي الا متى وعيت بشيء آخر غير ذائي؟ هل انا احتاج، حقا، الى الانفتاح على عالم يحضر فيه الغير بصفة دائمة، إذا ما اردت تعقب حقيقة انيتي؟
يبدو ، أن وعينا بانيتنا ، أصبح يقتضي تجاوز حدود عالمنا المعلق ، لنحتفي بالغير ، هذا الآخر الإنساني المختلف، ومن اجل تأكيد وجاهة هذا الانفتاح على الغير و اعلان مقامه و منزلته ، لابد من استحضار تلك العلاقة البدنية بين الطفل بوصفه انا و الام كغير ، هذا الطفل لا يميز بين امه و ذاته و لا يملك اقتدار الوعي بوجوده الخاص ، فالعلاقة التي تجمعه بأمه هي من نظام الاندماج و الانصهار ، الطفل في هذا
السن لا يستطيع الوعي بفرديته مثلما يؤكد ذلك الفيلسوف الألماني إيمانويل كانط الذي يقر بان الوعي بالذات يفترض إمكانية بلوغ مرحلة التفكير الذاتي و الحر و ليس مجرد الإحساس ، فالطفل حتى و آن انفصل عن أمه ، فانه لم يبلغ بعد ، مرحلة التفكير، و حتى يفكر فانه يحتاج الى شجاعة قول "انا" يقول كانط "أملك الأنا في تمثلاته"، فامتلاك وعي الانا بوجودها رهين تحقق الازدواجية في التأمل و التفكير
انا افكر، واعي ان هذه الذات هي التي تفكر، وحين يبدأ الطفل في الكلام فانه لم يشكل بعد انيته، اذ لابد له من غير يؤهله لذلك ، ويمنحه القدرة على قول انا و عليه فان الحصول على وعي حقيقي بوجودي و أنيتي لا يملك إمكانه من دون الغير و حين تتعطل علاقة الأنا بشبيهه ( الأنا الآخر) يتعطل الوعي بذاته، و لا يكفي ، حينئذ، القول بأن الغير هو الذي يساعدني على بناء اليتي كذات مختلفة و متميزة اذ لابد من الشروع في تأكيد هذا اللقاء ، وكل وعي بالذات يتشكل في اللغة و باللغة ، تلك اللغة التي تعبر
ضرورة عن الغيرية، و حتى نستطيع التفكير لابد أن تستطيع الكلام، و ممكلية التفكير ، بما هو وعي بالوجود الخاص ، ترتد الى شرطه و هو امتلاك اللغة.
خاتمة:
ما تختص به اللغة الإنسانية هو انها مكتسبة و ليست فطرية ، تعاقدية و ليست طبيعية ، فانا لا احمل معي لغتي عند الولادة و انما اتعلمها، و الكوجيتو ذاته ، في ظهوره يقتضي اللغة، و على ذلك فاللغة ذاتها ، من جهة كونها متعلمة ، فهي واسطة بين الأنا و الآخر.

تعليقات
إرسال تعليق