موضوع حول الآنية و الغيرية
الموضوع:
هل على الأنا أن ينعتق من الوحدة حتى يعثر على ذاته؟
مقدمة :
إن التفكير في الإنسان لا يكتمل ولا يستوفي أغراضه دون تفكير في البعد الأنطولوجي الوجودي كبعد اساسي وكمحمد جوهري للكينونة الإنسانية ، غير أن هذا البعد ينفتح على الكثير من المسائل والقضايا الفرعية التي من اهنها علاقة الوجود الإنساني بالآخر وعلاقة الكينونة بمفهومي الوحدة
والكثرة، حيث تتضارب المواقف بين قاتل بأنها كينونة بسيطة متجانسة خالية من كل تركيب وكثرة وبين قائل بأنها فضاء الكثرة بامتياز.
الأشكالية :
فما الذي نعنيه تحديدا بالأنا؟ وماهي اسسها ومتوماتها؟ وهل تتحدد هذه الأنا كوحدة أنطولوجية
تلغي كل كثرة وتنوع ام كنضاء أنطولوجي يخترقه الكثرة ؟ وإذا سلمنا بتكثر الأنا فما هي أشكال
ومستويات هذه الكثرة؟ وهل ان في الإقرار بكثرة الإنية (الهوية) نفيا لوحدتها أم إعادة تأسيس
لمفهوم هذه الموحدة؟ وما الذي قد يستتبع الاعتراف بهذه الكثرة ؟ الا يمكن لهذه الكثرة ان تكون
تهديدا لهذه الأنا ولوحدتها؟
الجوهر :
ما نراهن عليه في سياق تناولنا لهذا المشكل هو تعميق فهمنا
لحقيقة ذواتنا ولاس ومرتكزات وجودنا وكينونتنا كما نراهن على تجاوز اشكال الفهم السطحي لحقيقة الأنا وتجذيرها في فضاءات التنوع والاختلاف والتأسيس لقيمة مفهومي الانفتاح والاعتراف. إن ما هو محل تفكير في
موضوعنا هو حقيقة الأنا وماهيتها وجوهرها وما يؤسس كيانها ويثبت وجودها ونعني بالأنا الذات الإنسانية ككيان أنطولوجي تنسب إليه الأفعال والأقوال وكحقيقة مركزية فكر فيها الخطاب الفلسفي قديمة وحديثه. ويبدو أننا مطالبون بالتفكير في هذه الأنا في علاقة بمفهوم صريح في موضوعنا وهو مفهوم الوحدة وآخر ضمني وهو الكثرة فاي دلالة تحملها الوحدة أزلا؟ وما الذي نعنيه بالكثرة
ثانيا؟ وعلى أي نحو نحو يفهم الانعتاق؟
إن الوحدة تحيل دلاليا إلى معنى الكيان البسيط الخالي من التركيب والمفرغ من التنوع والتعددية وتحيل أيضا إلى معنى الثابت والمتجوهر والقائم بذاته والمنغلق على غيره كما نستشف من الوحدة معنى الثبات والتمثل والتجانس، أما الكثرة فتحيل على النقيض من ذلك إلى معنى التركيب والتنوعوالانفتاح والديناميكية.
العنصر الأول :
إن مقاربة أولى لحقيقة الأنا تبرزها كوسط متجانس وشفاف اساسه الوعي أو الفكر، فالأنا هي جوهر الإنسان وميزته الأنطولوجية ويبدو أن القدرة على الوعي بالذات وبالعالم وبالآخر هي أهم ما يميز الكائن البشري ، إذ انه يشبه كل كائن في جسمانيته ويشبه الحيوان في غريزيته وتركيبته
العضوية (الفيزيولوجية والبيولوجية) مدامت الأعضاء والوظائف البيولوجية متماثلة كما أنه يشبهه في الوجود المادي المتميز في المكان والزمان غير أنه يختلف عنه في عقلانيته وقدرته على التفكير والتعقل، فالإنسان لا يوجد فقط كوجود ملاذي حتي وإنما أيضا كذات منكرة وعاقلة تفهم وتحلل وتسائل. إن الإنسان يوجد في العالم وفي ذهنه أكثر من تمثل وصورة لهذا العالم وهو بمقياس الجسد ضعف وعدم وهشاشة لكنه بمقياس العقل " قوة ووجود ونقل وجودي" فالإنسان جزء من العالم بحسده، لكنه يمسك بكلية العالم في فكره" وهو فيزيولوجيا عدم ولا شيء بميزان
الكون، لكنه يكتسب مركزيته وقيمته بفعل التفكير فهو " قصبة " أو "اسل" لكنه قصبة منكرة وفي التفكير كل قيمته وكرامته.
إن خطاب الوحدة يجذر الهوية الإنسانية في العقل ويتصي كل ما ليس عقلا، وهكذا يعامل الجد كفيرية وككيان تخيل يفسد وجودنا ويعوق معرفتنا وسعينا إلى الخير والفضيلة، وهو ليس إلا سجنا يحد من حريتنا ويعوق وثبة الفكر الحرة نحو المعرفة والحقيقة، إنه ينكرنا بماذيتنا وغرائزيننا
ويشتنا إلى العالم المادي المحسوس موطن الأوهام والظنون وبؤرة الزذائل والشرور. وهكذا لا يستقيم للأنا وجود أو معرفة دون إلغاء الجسد واقصاء. ومعاملته كتوب او كقبر او کسجن نعلي اسواره بمبالغتنا بالاهتمام به وباللهث وراء إشباع مطالبه، فالإنسان يجب أن يحدد ذاته كنفس وان
يهتم بالمطالب المعرفية والأخلاقية التي تنشدها هذه النفس وان يعرض عن المطالب الشهوانية وعليه أن يكف عنهم عاشرة الجسد وأن يتحزر من أغلاله وقيوده إذا ما أراد أن يكون إنسانا جديرا بصفة الإنسان، كما أن فعل الشك ينتهي إلى إثبات مركزية الأنا المنكرة كحقيقة وكيتين ازلي لا
بطاله الشك ويصمد أمام كل البراهين والأدلة الريبية، فالأنا التي تشك في صخة جميع المعارف (تقليدية / حسنة /عقلية) وفي وجود جميع الأشياء (الجسد / العالم / الغير ...) لا يمكنها بأي حال أن تشك في كونها تشك وتفكر ولا يمكن لهذه الأنا التي تفكر ان لا تكون موجودة مادامت تفكر، إذ أن اللاوجود (العلم) لا يفكر وهكذا يتم إثبات وجود الأنا بفضل إثبات ممارستها لفعل التفكير
وسنظل هذه الأنا موجودة ما ظلت تفكر حتى وإن كان العالم والحسد والإله والغير مشكوكا في وجودهم وحتى وان كان ما تفكر فيه خاطنا أو مشكوكا في صخته وفي المقابل ينتفي وجود هذه الأنا إن هي توقفت عن التفكير حتى وإن ثبت بالذليل القاطع وجود الجسد والعالم.
إن الأنا وحدة أنطولوجية بسيطة كل قوامها التفكير ولا شيء غير التفكير، إنها مجال لا يتجلى فيه غير الوعي وهكذا تنتفي الزيجة التي لا تنسب للنفس وإنما للجسد وتعامل الشهرة كعنوان منزلة حيوانية، بحيث أنها لا تعدو أن تكون عبنا وحرجا وجوديا وبحيث أن تلبية مطالبها بوقعنا في الإثم والخطيئة.
إن مثل هذا الخطاب ينكر تعدد مكونات الذات ويختزلها في بعد وحيد يحتكر الكينونة ويحتويها وهو يؤسس لحالة من التعالي والاستقلالية والاكتفاء بالذات حيث لا يكون العالم والانتماء إليه محددا من محندات هويتها، ما دام هذا العالم هو عالم الكون والفساد (علم التغيير والصيرورة)
وعالما ماديا لا يرتقي إلى مستوى العالم المجرد والمعقول أي عالم المثل والحقائق النامية.
إن هذه الأنا تقطع في إثبات وجودها كل علاقة مع غيرها، فهي لا تثبت هذا الوجود بالخروج من عالم الذات إلى العالم الموضوعي الطبيعي والاجتماعي بحثا عن حقيقتها وإنما بالعودة الحسية على الذات، فما تكتشفه الذات في مسار الشك النيكارتي ليس إلا حقيقة ذاتها، فالنكتشف هو
المكتشف، كما يذكر خطاب الوحدة قيمة الغير، ما دمت أوجد بذائي واعي ذاتي بذاتي في شكل انا منغلقة أو أنا وحدية فمسار الشك ينتهي إلى إثبات وجود الأنا دون وجود الغير أو قل قبل إثباته ويشكل أيسر، حيث لا يحتاج الأنا إلى وساطة ولا تحتاج إلى اعتراف الغير بوجودها فالغير هو
فضاء أنطولوجي مستقل قائم بذاته ان لم ينقص من كينونة الأنا فهو لا يضيف إليها.
إن هذا الخطاب يكرس العقلانية مادام الإنسان عقلا صرفا وهو يكرس الذاتية بما في عالم وفضاء تحتكره الذات ولا يطاء الآخرون وهي تلفي واقعة التنوع ما دام الإنسان وحدة بسيطة متجانسة ومادامت الكثرة خطرا وتهنيدا لهذه الوحدة وهي تكرس التجانس والثمثل مادام الاختلاف شبحا بهدد الانسجام والتناغم.
إن خطاب الوحدة يؤسس لأنا واعية تدرك أفكارها وتتحكم في فعالياتها النفسية وبنكر وجود اللاوعي أو المتخفي أو الباطن ، فكل ما في النفس يطاله الإدراك وهكذا لا مجال للحديث عن لاوعي نفسي فالإنسان نفس والنفس وعي وحتى وإن حدث مثل هذا الإعتراف فلن يكون إلا اعترافا بلا وعي جسدي أي بفعاليات ومسارات جسدية لا نعبها ولا تتحكم فيها، ومثل هذا الخطاب يتعالى على الواقع الاقتصادي والاجتماعي وعلى معنى الزمنية والتاريخية فالإنسان ليس حصيلة واقعه ومجتمعه وهو ليس حدثا أو كينونة تاريخية وإنما هو فوق الزمان والمكان وبمنأى عن التبذل والتحول، فهو يولد إنسانا ويبقى إنسانا وهو يولد كاننا عاقلا ويبقى كذلك ولن يكون للاعتراف بالتاريخية معنى أو قيمة ما دامت الأنا تتحدد ككينونة أنطولوجية مكتفية بذاتها منغلقة على عالمها الخامن.
إن هذا التأسيس لمفهوم الوحدة هو في جوهره تأسيس لفهم عقلاني للإنسان حيث ينسب كل شيء إلى العقل وحيث لا نعرف إلا به ولا توجد إلا بفضله ولا تكون بمستوى الكائن الأخلاقي والاجتماعي والسياسي إلا لما يوفره العقل من إمكانية للتشريع الأخلاقي والتنظيم الاجتماعي
والبناء السياسي فلولا العقل ما كانت لتوجد قيم أو مجتمعات أو دول ، إن الإنسان صنيعة العقل. إن خطاب الوحدة وإن كان لا يخلو من وجاهة ومشروعية وإن كنت لا تعوزه الحجج في الدفاع عن عقلانية الإنسان وتعاليه ومركزيته، إلا أنه كان موقف فلسفي يقبل المراجعة و التنسيب إذ أن وعى الإنسان بذاته وقدرة الأنا على العثور على أناها لا يتحقق ضرورة بقطع صلات هذه الأنا مع
العالم الخارجي ويتوهم أن الكينونة وحدة صفاء غير قابلة للقسمة والتنكيك والتجزئة، نقضاء الكينونة هو فضاء الانفتاح لا الانغلاق وهو مجال للتكثر والتركيب لا مجال للبساطة واحادية التكوين وهو فضاء صراع وحرب لا فضاء سلم وتناغم وتتجلى كثرة الأنا أولا في اشتمالها على مكون آخر غير النفس أو العقل وهو الجسد، هذا الجوهر الأنطولوحي والثابت الوجودي الذي لا يمكن تجاوزه أو انكاره والذي كل شيء برد إليه فنحن نوحد به، إذ أن الإعلان عن وجودنا يكون تحت لافتة الجسد الذي يراه الآخرون ويدركون وجودنا برزيته ، كما به نفعل في الأشياء وننفعل بها إذ أن العلاقة مع الطبيعة هي في جوهرها علاقة يتوسطها الجسد ولا قدرة للأنا المجرد على ممارسة أي تأثير في الأشياء والأشخاص لو لم يكن الجسد جزء من هذه الأثناء كما أن البعد التواصلي كبعد مؤسس للكينونة لا يتأنس إلا بفعل رسائل حسية جسدية فنحن قد
نتواصل باشارات الجد وايماءاته ورقصاته وقد نتواصل بواسطة اللغة أي عبر ادرات صوتية وحتى التعبير اللغوي الصوتي بمن ببوابة الجسد، كما أن أحكامنا على الآخرين وعلى ذواتنا قد تكون أحيانا على الصورة الجسدية ونحن اليوم في عصر أصبح فيه المظهر أكثر أهمية من الباطن
والسطح أكثر قيمة من العمق، لذلك يكون الألم النفسي أكثر قابلية للتجاوز من الألم الجسدي وقد يقود تشويه للوجه إلى الانتحار مادام الوجود يتماهي مع الحسد ومادامت ملامح كينونتنا هي ملامح وجوهنا وأجسادنا.
إن الاعتراف بالجسد هو في أساسه اعتراف بالزغية كجوهر للإنسان وكمحرك له، فبعد أن كانت الرغبة مطاردة، مسكونا عنها، أصبحت في عصر الحداثة جوهر الإنسان وأساس التفكير فيه وقد قيل في ذلك "الزعبة عين ماهية الإنسان" وقد استبدل الكوجيتو النيكارتي بالكوناتيس التبينوزي
حيث يتحدة الإنسان كمجموعة رغبات وجهود لإشباع تلك الرغبة وحيث تحل فكرة الوحدة بين النفس والجسد بديلا عن الفنانية.
العنصر الثاني :
إن الجسد ليس ضيفا ثقيلا ولا عابر سبيل ولا هو بالنخيل الغريب وإنما هوالقاز والثابت وهو الأصيل وعبره يكون الإحساس بالهوية وفي حرارته تكمن حقيقة الحياة والوجود وبانتفاء هذه الحرارة ينتفي وجودنا ف " الجسد احساس بالهوية " كما ذكر ذلك ايمانويل ليفناس وفي البينات
الشاذجة التي تحملها التحاليل الطبية والصور توجد حقيقة وجودنا، كما أن الجسد هو ما به تعرف، إذ ليس الإدراك فعلا تامليا لذات عاقلة لها قدرة سحرية على معرفة حقيقة الأشياء دون ملامستها والاقتراب منها وإنما هو فعل حواس الجسد التي تلتقط صفات الأشياء وخصائصها وتنقلها إلى
العقل الذي يحولها إلى أفكار مجزدة وقد قيل في ذلك " من فقد حنا، فقد علما" وقيل: " التجربة بداية المعرفة ومنتهاها "، كما قيل : " الادراك هو فعل الشيء في الجسد وفعل الجسد في النفس."
إن الاعتراف بالجسد هو أيضا اعتراف به كمرجعية أخلاقية وكمشرع للقيم، إذ أن الخير هو ما يناسب الجسد وما يخدم تطلعه إلى الحياة والقوة، أما الشر فما فيه تأسيس للضعف وتبشير بالموت وهكذا فإن شعار الأخلاق ومرجعها يجب أن يكون إرادة الجسد أي إرادة الحياة وإرادة القوة. إن
الكثرة تتجلى في مستوى آخر في اللاوعي، فالأنا ليس وعيا فقط وإنما هو أيضا لاروعي وما قبل وعي على ان نفهم من اللاوعي ذلك النضاء النفسي الذي تؤثثه عناصر نفسية تم كبتها من مجال الوعي لتعارضها مع المألوف الأخلاقي ولما تحدثه من اختلال وارتباك في المنظومة النفسية
ويتجلى هذا اللاوعي في تمظهرات مختلفة أبرزها الأحلام والهفوات والأعمال الفنية والأعراض المرضية. ويبدو أن اللاوعي أكثر تأثيرا في قراراتنا وسلوكاتنا من الوعي وقد قيل في ذلك: "لم بعد الأنا سيدا حتى في بيته " وقيل :" ليس الوعي ماهية الحياة النفسية وإنما هو صفة من صفاتها
وهو صفة ثانوية وغير ثابتة، غيابها أكثر بكثير من حضورها "، كما تتجلى الكثرة في سياق المقارية التحليلية الفرويدية في النظرية الثانية التي قسمت الجهاز النفسي إلى ثلاث مناطق ازلها الهو الفريزي وثانيها الأنا العقلاني وثالثها الأنا الأعلى الأخلاقي وضمن هذه النظرية لا تبدو
الحياة النفسية بسيطة بل مركبة ولا تبدو حياة منسجمة بل أساسها الصراع الذي يتجلى في صراع الهو مع الأنا ومع الأنا الأعلى، وهو صراع لغرض الإرادة وإثبات الذات وحسب قدرة الفرد على تلطيف هذا الصراع يكون وضعه النفسي (سليما متوازنا نفسيا أو مريضا مختل التوازن)، كما
تبرز هذه المقاربة الفضاء النفسي فضاء دائما للحركة والديناميكية وهي الحركة التي تلحظها في تغير حالات العنصر النفسي إذ أن رغبة أو فكرة أو انفعالا ما قد يفقد صبغته الشعورية ليصبر ما قبل شعوري أو لا شعوري، كما أن عنصرا ما قبل شعوري قد يعود إلى الشعور بجهد ذاتي أساسه التذكر، في حين ان عنصرا لا شعوريا لا يقبل العودة إلى الشعور إلا بتدخل المحلل النفسي وبنجاحه في إزالة الكبت وتمكين المريض من تذكر ما نسيه من ذكريات وانفعالات منسية ومطرودة من الوعي إلى اللاوعي.
إن التكثر ليس داخليا فقط وإنما يشمل عناصر خارجية غوملت قديما كفيريات رغم أنها تشارك في بناء كينونة الأنا ومن هذه العناصر الغير أي " الأنا الذي ليس أنا" وهذا الغير هو شرط وجودي روعبي بذاتي فأنا أوجد بيولوجيا في علاقة بالغير (الوالدين) وأنا أتحقق ثقافيا بفضل جهود المجتمع الذي يهبكلني ويكسبني مقومات الثقافة المختلفة من لغة ودين وأداب وقيم وفنون فلولا الغير لظل الأنا في مستوى الوجود البيولوجي الطبيعي ولولا اعتراف الغير لظل الأنا فاقدا الثقة في وجوده وذاتيته، فالاعتراف الغيري يحول الأنا من مستوى الشخص إلى مستوى الذات ومثل هذا الاعتراف قد يتحقق بطرق متعارضة فقد يكون اعترافا طوعيا ومتبادلا يتحقق عبر الصداقة والحب والتعاطف والحوار( ميرلوبنتي- انفارموران) وقد يكون اعترافا بالاكراه والقسر والارغام (صراع انتزاع الاعتراف لدى هيقل).
إن التأكيد على قيمة وجود الغير هو تأكيد على الحاجة إلى استبدال مفهوم الذاتية المغلقة بمفهوم البيئية أو البينذاتية، حيث لا يوجد الأنا ككينونة منعزلة مكتفية بذاتها (أنا وحدية) وإنما ككينونة تواصلية تتحذر في فضاء المعية والتواصل. وما يؤكد قيمة وجود الغير هو أن كل أبعاد الأنا
الأنطولوجية هي نتاج العيش مع الآخر ابتداء من البعد الأخلاقي حيث وجدت القيم لتنظيم العيش المشترك مرورا بالبعد الزمزي حيث أن الغاية التواصلية والتعبيرية هي الغالية الأساسية للأنظمة الزمزية كما أن البعد الجمالي أو الاهتمام الجمالي هو نتاج العيش المشترك فالاهتمام بجمالية الشكل أو المليس أو المسكن إنما هو اهتمام غايته الفوز باحترام الآخر وإنتاج الفنان للآثار الفنية الجميلة
إنما يستهدف إثارة انتباه الآخر ونيل إعجابه، كما أن الخجل هو في جوهره " اعتراف بأني أكون كما يراني الأخرون".
إلى جانب الغير بعد العالم فضاء آخر للكثرة ينخرط فيه الأنا فهي لا توجد في عالمها الخاص المنفصل وإنما هي توجد ايضا في العالم الخارجي مع الظواهر ومع الأشياء والأشخاص ولا يمكن للوجود أن يتحقق أو يكتمل دون اعتراف بالسياق الفينومينولوجي المكاني الذي الذي تنخرط فيه الأنا فالوجود هو أيضا وجود في المكان والزمان أي الآن وهنا وهكذا علينا أن نتحرر من أوهام الخطاب
المثالي الميتافيزيقي الذي يشكر قيمة العالم المادي المحسوس و يستبدله بالعالم المعقول وان نكون فينومينولوجنين نفاخر بالعودة إلى الظواهر ومثلما المكان بعد مؤسس للوجود فكذلك الزمان والتاريخ فالأنا لا تنحت كيانها في المطلق فوق المكان وما وراء الزمان وإنما في سياقات مكائية زمانية أي في بوتقة تاريخية أو وضعية تاريخية، فالوجود كما أكده سارتر هو وجود ضمن وضعية فيزيائية واجتماعية وكل وضعية لها ملامحها، حيث تتحدد الوضعية بجملة الشروط والظروف التي تتغير من فرد لآخر وهكذا فالوجود ليس واحدا ما دامت الوضعيات تتغير والشروط تتبذل والأنا أيضا محكومة بواقعها الاقتصادي والاجتماعي حيث يكون وعيها انعكاسا لموقعها الطبقي وحيث لا يكون للإنسان جوهر أو مبادئ أو قيم ثابتة وإنما جوهر تاريخي وقيم متبذلة تبذل أدوات الإنتاج وعلاقات الإنتاج.
خاتمة :
يمكن تجاوز هذا الموضوع نقديا من جهة انه يخترنا بين التمسك بالوحدة والتجذر فيها وبين الانعتاق منها والتخلي عنها، فهو بذلك يسرق الوحدة نقيضا للكثرة في حين أن الوحدة في سياق فلسفي معاصر هي امتلاء بالكثرة وأن الكثرة هي انخراط في الوحدة وذوبان فيها وهذا ما ينفعنا إلى تبني مفهوم الهوية المركبة الذي استعمله ادقار موران حيث وحدة الإنسان ليست وحدة بسيطة وحيث أن كل هوية فردية أو ثقافية هي بالضرورة متعددة المنابع والزواك كما أن إشكالية الوحدة والكثرة
تتجلى في كون كل ما يوحد النشر يفرقهم وكل ما يفرقهم يوخدهم وقد قال موران في ذلك :" نحن توائم باللغة مختلفون بالألسن متشابهون بالثقافة مختلفون بالثقافات " كما أن التجاوز النقدي يمكن أن يطال خطاب الكثرة لأن تكثير الهوية قد يؤدي إلى تشتيتها وتشظيتها وتفتتها ولأن النفاع عن الكثرة
والاختلاف قد ينتهي بنا إلى ضرب الوحدة والتمثل أي إلى ضرب معنى الكونية الذي يقتضي الالتقاء والتوخد حول مجموعة من الغايات والقيم والمبادئ والمطالب، كما ان اعترافا بالجسد قد يحوله إلى صنم جديد وقد يؤسس لفهم ميكانيكي للإنسان يتراجع فيه العقلاني والإرادي لصالح
الغرائزي وقد تؤذي المبالغة في تقدير اللاوعي إلى انكار حرية الإنسان وتحويله إلى دمية او لعبة تتقاذفها التوافع الغريزية والعناصر اللاواعية بما يحرم الإنسان من حزيته وقدرته على الاختيار بما يضرب مبدأ المسؤولية، وإن الاعتراف بالتاريخ رغم ما له من قيمة إلا انه قد يهدد كل ثابت ويضرب كن هوية لغوية كانت أو دينية او اخلاقية ما دام القول بالتاريخ قولا بالحركة الدائمة والتغيير المستمر كما يوشك التعصب للتاريخية إلى تحويل الإنسان مفعولا فيه تقوده الأقدار ويتحكم فيه السياق الاقتصادي والاجتماعي والسياسي.

تعليقات
إرسال تعليق